قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Wednesday, March 9, 2016

ما تقولوا ليه بتهينوا مصر؟


AP

منذ أعوام كنت أسكن في الرياض مع صديق تونسي. لو كان لي أن أحكم على شعب كامل من شخص واحد، لكان التونسيون أرقى الشعوب العربية وأكثرها ثقافة وأمانة. هنا طبعًا خطأ التعميم وهو من أخطاء المنطق الشهيرة، لكني انبهرت بموقف معين منه. حكى لي يومًا عن عادة سخيفة معينة لدى الفلاحين التوانسة البسطاء فضحكنا كثيرًا، وفجأة بدا عليه ندم كبير واعتذر عما قال، وطلب مني أن أقسم على أنني لن أحكي عن هذه العادة لمخلوق، فهو لا يتحمل فكرة أن يسخر أحد من شعبه، وقد بررت بقسمي كما ترى. أذكر راكبًا جزائريًا جلس جواري في الطائرة ذات مرة، وراح يعب النبيذ عبًا ثم قال لي بأنفاس تفوح بالخمر: "لا تعتقدنّ أن الجزائريين مثلي.. هك!.. إنهم شعب محترم متدين.. هك.. أنا الفاسد الوحيد!". حتى هذا السكير احتفظ بالغيرة على وطنه.

الإعلامي الأكثر أهمية


بصراحة لا أعتقد أن صفحة عكاشة قد طويت من السياسة والإعلام المصريين بهذه السهولة، فالرجل مثل الأنثراكس قادر على التحوصل والبقاء حيًا في ظروف سيئة جدًا، ثم ينتعش من جديد. وقد قال محاميه حسام سليمان "إن موكله سيتقدم بطعن أمام النقض ضد قرار إسقاط عضويته، خصوصاً أن هذا القرار مخالف للدستور واللائحة".

قال المحامي إن هناك أخطاء قانونية من بينها عدم الاستماع لموكله أثناء الجلسة ومنعه من دخول القاعة، فضلًا عن عدم التصويت أولًا على توصية اللجنة الخاصة المشكّلة للتحقيق معه، بحرمانه من حضور الجلسات، وأضاف أنه كان يجب فى البداية التصويت على هذا القرار قبل التصويت على إسقاط العضوية.

هناك خبراء قانونيون قالوا إن طرد عكاشة حق داخلي للمجلس لا يجوز الطعن فيه. لا أعرف الحقيقة يقينًا لكني متأكد من أن لقاءه بالسفير الإسرائيلي ليس سبب طرده. 


صار عكاشة جزءًا من الحياة الثقافية والسياسية لكل المصريين بعد ثورة يناير، وتسلل إلى كل البيوت، وبالتأكيد استطاع أن يفسد تفكير المصريين لجيل كامل. ما زال يذكرني بعم أحمد إمام الزاوية في شارع يسكن فيه صديقي. كان عم أحمد قد بلغ أرذل العمر لذا كانوا يتجاوزون عن كثير مما يقول ويفعل.. هذا الكثير كان يتضمن أن يفتح الميكروفون من الواحدة صباحًا حتى صلاة الفجر، وينهال بالدعاء على خصومه وأعدائه بالاسم واحدًا واحدًا.. كلما رأيت توفيق عكاشة تذكرت هذا الرجل.

Wednesday, March 2, 2016

أحزان الصراف الآلي


https://en.wikipedia.org/wiki/Cash_machine

يبدو هذا العنوان موحيًا، له مذاق عناوين الروايات المترجمة العظيمة مثل (مقتل طائر مغرد) أو (لا يوجد لصوص في هذه المدينة).. لكن القصة الحقيقية أبسط من هذا بكثير.

ككل شيء في الحياة يقتحم الكمبيوتر مجالاً جديدًا في كل يوم، وهذا يُفترض به أن يبسط الأمور لكنه في مصر بالذات يعقّدها. وكالعادة يبدو مصطلح (هيكلة الدهولة) الذي ابتكرته جريدة العربي الناصري مناسبًا جدًا. إن دخول الكمبيوتر قد أقحم في الحياة المصرية مصطلح (السيستم واقع). السيستم واقع فلن تحصل على مالك من المصرف في وقت دفع القسط. السيستم واقع فلن تحصل على تذكرة قطار قبل تحركه. السيستم واقع فلن تستطيع دفع فاتورة الهاتف. السيستم ذلك الإله الوثني القديم قد نام تحت أعماق المحيط مثل (كتولو)، ولا يعرف أحد سوى الخواجة لافكرافت متى يتحرك.

هنا دخل الصراف الآلي الساحة.

شاعر!



في سن العاشرة كنت عائدًا من السوق محملاً بالمشتروات والخضر، ضمن أعمال السُخرة التي يجب على كل طفل من أسرة متوسطة أن يقوم بها، عندما وجدت زحامًا من البشر الغاضبين مطلقي السباب بسخاء.. دنوت أكثر فرأيت أنهم يلتفون حول شاب في الثلاثين، قد تكور على نفسه أرضًا ككلب جريح وهو لا يكف عن العواء، وفي الوقت نفسه لم يكف واحد من الواقفين عن البصق عليه أو ركله في خاصرته أو توجيه لكمة له..
ـ"يا حرامي يا بن الـ......"

هؤلاء إذن مجموعة من المواطنين الشرفاء الذين قبضوا على لص، وبدلاً من تسليمه للشرطة قرروا أن يقيموا حفلاً لإخراج ساديتهم أولاً. هتف بي أحد الواقفين:
ـ"ياللا يا له.. اديله شلوت!!"

Wednesday, February 24, 2016

من أجل صحة أفضل: اشتم هيكل


ultrasawt.com

في هذا الأسبوع الحزين توفي علاء الديب الأديب والناقد ومحلل الكتب عظيم الأهمية، الذي كنت لا أفوت مقالاته قديمًا في مجلة صباح الخير، وأعترف أنني قرأت بعض الكتب من مقالاته ولم أقرأها في نسختها الأصلية، لأنه كان يعرضها ببراعة حقيقية. فلا عجب أن بلال فضل اختار اسم (عصير الكتب) لبرنامجه الناجح.

في هذا الأسبوع كثر الجدل حول جمهورية حاتم وتوحش أمناء الشرطة، وفي هذا الأسبوع تكلموا عن البيضة التي احتفت بها محافظة المنيا وعليها لفظ الجلالة، وعن الدولار الذي حطم حاجز تسعة الجنيهات وكيف انقلب كثيرون من طبالي النظام عليه. وفي هذا الأسبوع أحرق مخترع الوحش المصري أكذوبته، وتم القبض على الكاتب أحمد ناجي بسبب خدش الحياء في قصته، ورفضت الشمس أن تزور مصر لتنير وجه رمسيس في معبد (أبو سمبل) كأنها متآمرة لتدمير السياحة. الكثير من الأحداث المغرية بالكتابة، لكني شعرت بأنه يجب أن أكتب كلمة أخيرة عن الأستاذ الراحل هيكل.

يجب أن أذكرك أن هيكل تحول في عصر السادات إلى موسى صبري، ثم تحول موسى صبري إلى سمير رجب وممتاز القط، ثم تحول سمير رجب إلى توفيق عكاشة وأحمد موسى.. فهل حان وقت قيام الساعة بعد؟

Tuesday, February 23, 2016

إبداع حتى النخاع

مقال قديم منذ عام 2009 لدكتور أحمد نشر في جريدة الدستور وفي كتاب (الغث من القول)

Sergey Nivens - Fotolia.com

هذه معركة شرسة لا تعترف بالواقفين بين الفريقين، فأنت إما معنا أو ضدنا.. إما أن تقف مع الفريق الذي يمنع ويتحفظ ويتهم فتصير محاربًا لحرية الإبداع وأحد دعاة الظلام، وإما أن تقف مع الفريق الذي يناضل من أجل حرية الإبداع فتصير مخلب الغرب وأداته لهدم قيمنا.

الواقع أنني شبعت كثيرًا من المتربصين، واصطدمت معهم أكثر من مرة حتى فاض بي فعلاً. التفتيش في الضمائر ممتع ولذيذ جدًا ويشعرنا بأننا قضاة نصدر الأحكام من فوق عرش عال.. عذبوا هذا فهو هرطيق.. احرقوا هذه فهي على اتصال بالشيطان. أنا القاضي الأعلى لمحكمة التفتيش أدعو (كوبرنيكوس) إلى أن يتوب قبل أن نطهره بالنار.. إنها لذة تفوق أية لذة أخرى. وهكذا يضيق هامش الحرية كل يوم.. إنهم يراقبونك في شك ومستعدون للعنك لو قلت كلمة مريبة. حتى على مستوى كبار الدعاة.. قرأت في أحد مواقع الإنترنت مقالاً للمفكر الإسلامي الكبير (محمد عمارة) يضرب فيه مثالاً لغويًا لا أكثر، فانبرت إحدى القارئات تسأله في عصبية عن عقيدته.. قائلة: هلم أفصح!.. حتى (محمد عمارة) نفسه مطالب بالدفاع عن نفسه وإثبات أنه ليس كما تظنين؟.. كل شخص مشتبه فيه وكل شخص يمكن أن يصير متهمًا في أية لحظة..

من دون هيكل


رحل هيكل. لحظة حتمية متوقعة جدًا مع رجل جاوز التسعين من العمر، لكنك لن تنكر أوجاع استئصال قطاع كامل من حياتك وذكرياتك وثقافتك بهذه البساطة.

لقد ترك هيكل ذكرى قوية، وترك مكتبة هائلة عظيمة القيمة، وترك جدلاً لا ينتهي حول شخصه وهل هو ملاك أم شيطان، وترك كذلك كراهية حاقدة لدى شانئيه الذين لم يغفروا له قط أنه ينتمي لعالم عبد الناصر، وفي قول آخر أنه صانع عالم عبد الناصر. هل كان هيكل ناصريًا أم كان ناصر هيكليًا أم أن الصديقين أثرا في بعضهما بنفس القدر؟.. لن نعرف أبدًا. على كل حال لقد امتزج بعبد الناصر جدًا، لذا سيظل من يكرهون عبد الناصر هم الذين يكرهون هيكل. ولسوف يستمر الجدل حول الرجل خمسين عامًا آخر كما طال نيفًا وخمسة وأربعين عامًا بعد وفاة عبد الناصر. شاهد في هذا الكليب هيكل يحكي عن تجربته مع ناصر.


بالتأكيد لم يكن هيكل ملاكًا ولم يكن أعظم رجل على ظهر البسيطة، لكنه – بالنسبة لي على الأقل – فنان وأديب قلما ظهر مثله في العالم العربي، ولقد اختلفت معه سياسيًا بشدة وبالذات في سنواته الأخيرة، ولكني لم أكف عن احترامه والانبهار ببراعته وذكائه. لم يكن الأنبل لكنه بالتأكيد الأبرع والأروع.