كنت أركب مع ذلك الصديق في سيارته؛ وهو فنان تشكيلي وشاعر خفيف الظل. دار الكلام عن فنانة شهيرة قيل إنهم زوَّجوها في قسم الشرطة في شبابها. هنا راح يحكي لي القصة بأصوات أبطالها: صوت الفتاة وهي تبكي لأنها فقدت شرفها، صوت الأم الريفية المذهولة التي تضرب ابنتها بالخُفِّ، صوت الأخ البلطجي الذي يعرف بالأمر؛ فيتوجَّه لحبيب الفتاة في داره حاملًا سنجةً ليمزِّقه بها … ثم الحبيب الجبان المذعور الذي يضطر للزواج؛ حتى لا يفتحوا بطنه بالسنجة.
كان صديقي يقدِّم كلَّ هذه الأصوات ويتقمَّص كلَّ هذه الشخصيات وهو شارد الذهن زجاجيُّ العينين، يثبِّت بصره على الطريق أثناء القيادة. أُقسم إنني شعرت بالذعر؛ لقد كان في داخله خمسة يتكلمون، وكلُّ واحد مُقنِع تمامًا … الصوت الأنثوي المائع للفتاة … صوت الأم الرفيع المرتجف … صوت الأخ الغليظ المنذر بالويل. تذكَّرت فيلم «جماجم جوناثان دريك السبع» المخيف، حيث كان ساحر الفودوو يحبس الأرواح في جماجم، وعلى المسرح يستعين بسحر الفودوو لتتكلم كلُّ جمجمة بصوت صاحبها. بالمثل كانت تلك الأرواح حبيسةً في جسد صاحبي تتكلم عبر حنجرته. كانت لحظةً من عبقرية الأداء لم يستطع أن يكرِّرها قطُّ بعد ذلك كلما طلبتُ منه.



