قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Loading...

Tuesday, October 28, 2014

في قلب الظلام



spc


فى هذه الأيام، تلاحقنى بعناد مشاهد فيلم (سفر الرؤية الآن) تحفة المخرج الأمريكى فرانسيس فورد كوبولا، والذى أخرجه عن رواية (قلب الظلام) لجوزيف كونراد. قصة كونراد تدور فى أحراش أفريقيا أيام صيد العاج، والرحلة الرهيبة التى يقوم بها البطل عبر النهر للقاء كورتيز.. تاجر العاج غريب الأطوار الذى صار مزيجا من سفاح وتاجر عاج وفيلسوف وشاعر ونبى كاذب وإله أفريقى وثنى، والسبب هو أنه دعا لدين جديد هو (الرعب).. من الواضح تماما أن الرحلة فى النهر هى رحلة داخل نفوسنا ذاتها، وأن قلب الظلام هو أعماقنا. فى الفيلم الأمريكى تصير أفريقيا هى فيتنام، ويصير كورتيز ضابطا أمريكيا منشقا لعب دوره بامتياز مارلون براندو. يكون على الضابط الأمريكى الشاب الذى كلفته المخابرات باغتيال كورتيز أن يبحر عبر نهر الميكونج، فنشعر أن القارب يتوغل عبر دوائر جحيم دانتى ذاتها، ويعبرون الحدود إلى كمبوديا كأنهم يعبرون إلى عالم آخر. فلسفة كورتز هى العنف والرعب والمزيد منهما.. لابد للمرء أن ينقب فى روحه عن القسوة. الفيتكونج كما يقول قساة لهذا يربحون الحرب.. ذات مرة قامت القوات الأمريكية بتطعيم أطفال قرية ضد شلل الأطفال فجاء الفيتكونج بعدها وانتزعوا أذرع الأطفال!. علينا أن نكون مثلهم. فى مشهد النهاية الشنيع يتحول الضابط الأمريكى المكلف بقتل كورتيز إلى قاتل شيطانى كالذى تمناه الأخير. يدخل على كورتز فى مخدعه ليمزقه بسكين عملاقة يحملها. لحظة احتضار كورتز يهمس بالكلمة التى يعتبرها وصيته للعالم:
ـ«الرعب!!»

الرعب!... هذا الوحش النائم فى أعماقنا والذى يخرج بسهولة بالغة... يمكن القول إن كورتز حقق فلسفته بنجاح تام..

Monday, October 27, 2014

مش سعيد



spc


ولأن الفقر يؤذي النفوس ويجعل المرء أقل تسامحًا، فإن الناس تنبهر بالأثرياء وتحسدهم لكنها كذلك تسعد جدًا عندما تحدث لهم كارثة ما.

ليس كل الحقد منصبًا على المليونيرات وأصحاب اليخوت. يبدو أن كل أمثلتي تتعلق بالسمك هذه الأيام!. كان صاحبي يمشي في السوق يومًا فرأى رجلاً من الطبقة المتوسطة يقف غارقًا في العرق والشعور بالرضا، وهو ينتظر إتمام شواء خمسة كيلو جرامات من السمك البوري المشوي غالي الثمن، كأنه فارس ينتظر العودة بالغنائم لمضارب قبيلته. وقف عدد كبير من الفقراء يرمقون المشهد في حسد برغم أن الرجل صاحب السمك لم يبتعد عن طبقتهم كثيرًا، وهنا رأى صاحبي رجلاً من هؤلاء الواقفين يقترب ويرمق السمك في غل وكراهية ثم يقول: 
ـ"هذا سمك مزارع!. عديم اللون والرائحة والطعم!"

Thursday, October 23, 2014

نادى الرفق بالإنسان



spc


هي قريبة لي. أستاذة جامعية طيبة المنشأ مرهفة الحس وقد تمت تربيتها جيدًا. قريبتي هذه ذهبت إلى السوق لتبتاع لوازم البيت من خضر. قالت لي إنها رأت امرأة عملاقة بحجم المصارعين الرومان، تقف على منضدة عليها بعض السلال البلاستيكية المليئة بالسمك. كانت هناك مجموعة من القطط الجوعى التي تحوم حول المرأة وتتلمظ مطالبة بوجبة الإفطار. للقط طريقة ساحرة عندما يقف (في غلب) ينتظر الفرج وفي عينيه نصف المغمضتين نظرة تجمع بين الملل والشوق والضيق. لكن من قال إن امرأة بحجم المصارعين الرومان تهتم بقط جائع؟

قريبتي لم تتحمل المشهد كثيرًا، فابتاعت كيلو جرامًا من السمك البلطي الصغير، وهو رخيص الثمن جدًا. عبأته لها البائعة في كيس من البلاستيك. تراجعت قريبتي ثم بدأت تضع السمك على الأرض أمام القطط العاوية التي لا تصدق نفسها. راحت ترقب المشهد في رضا ثم ابتعدت بضع خطوات. 

لا أعرف لماذا قررت أن تلتفت للخلف، فرأت أن البائعة وثبت كالقرد تجمع السمك من على الأرض في لهفة، وتعيد غسله لتبيعه من جديد بينما القطط لا تصدق ما يحدث.

Wednesday, October 22, 2014

بين السوفالدى والكفتة



spc


عرفت سيدة فى منتصف العمر كانت تعانى حالة غريبة فى كف يدها، فقد كانت تتورم ويصير لونها أخضر ويستمر هذا عدة ساعات، ثم تشفى الحالة تلقائيا. فقط لتتكرر بعد شهر. بالطبع قمت بعرضها على عدد كبير من أطباء الأوعية الدموية والعظام والأمراض الجلدية.. لا جدوى. لا يوجد تفسير لهذه الحالة العجيبة. لما سئمت السيدة كل هراء الأطباء ذهبت لشيخ – هكذا تصفه – فى قريتها فأعطاها بعض الأحجبة، والأهم أنه نصحها بألا تطلب رأى الأطباء ثانية لأنهم لا يعرفون شيئا ويسببون الأذى فحسب!... لم تشف السيدة على كل حال، لكن ما أثار غيظى هو أن الرجل لم يملك الحل، لكنه كذلك لا يريد للطب المعترف به أن يجرب أو يأخذ فرصته.

أتذكر هذا كلما قرأت الهجوم على العقار الجديد سوفوسبوفير (سوفالدى) الذى أنتجته شركة جيلياد، والذى احتل الصحف كعلاج فعال للفيروس الكبدى سى.

Saturday, October 18, 2014

المتحذلقون - 2



spc


تشيكوف القصصي الروسي العبقري كان هو الآخر من ألد أعداء التحذلق والادعاء. إنه ذكي حساس وما زال يملك روح الطفل الذي لا يطيق التصنع، لذا هناك قصص كثيرة حكاها ماكسيم جوركي عنه عندما كان يواجه المتصنعين. ذات مرة جاءته في مكتبه مجموعة سيدات متأنقات منتفخات كالطواويس وجلسن في كبرياء، ثم سألته إحداهن: 
ـ "بالنسبة للحرب بين تركيا واليونان يا أنطون بافلوفتش. هل ترى أن تركيا هي الأقدر على الفوز؟"
أدرك بطبيعة الكاتب المرهفة أنهن لا يبالين شعرة بهذه الحرب، فقال في هدوء: 
ـ "سوف ينتصر الأفضل"

عدن يسألنه عمن يفضل. تركيا أم اليونان؟ فقال باسمًا: أنا أفضل حلوى النعناع عن البلدين معاً! بعد قليل دخل جوركي المكتب، ليجد تشيكوف يثرثر في حماس مع السيدات عن حلوى التفاح وهل هي ألذ أم حلوى النعناع، وعندما انصرفت السيدات وعدته واحدة منهن بأن ترسل له صندوقًا من حلوى النعناع، فهي سعيدة لأنه يحبها مثلها. قال تشيكوف لجوركي عندما صارا وحيدين إنه أدرك أنهن لا يهتممن لحظة بالموضوع، وإنما هو التحذلق والحاجة للظهور بسمت المثقفين، بينما عندما قادهن إلى موضوع محبب لهن فعلاً دبت فيهن الحيوية، وصرن رائعات وصارت الجلسة ممتعة. كل إنسان يكون أفضل عندما يتكلم في الموضوع الذي يروق له. 

Tuesday, October 14, 2014

هيلب يور سلف



spc


مشاكل مصر كثيرة جدا، ولعل العشر السنوات الأخيرة من أقسى الفترات التى مرت بها منذ قرن كامل، ونحن نعرف دائرة (كيف أعطيك مالا وأنت لا تعمل؟ – كيف أعمل وأنت لا تعطينى مالا؟) اللعينة الشهيرة.. نحن دخلناها منذ عقد كامل، ولا أعرف كيف نخرج منها.

إلا أن من يبتعد عن الصورة اليوم –أو يقترب منها لا أدري– لابد أن يدرك يقينا أن الحكومة تتراجع أكثر فأكثر عن مسؤولياتها تاركة كل المسؤوليات على المواطن. وهكذا يمكن القول إننا دولة من طراز (هيلب يور سيلف Help yourself) أو (اخدم نفسك) المعروف فى بعض المطاعم.

Monday, October 13, 2014

المتحذلقون - 1



spc


المتحذلقات عنوان مسرحية شهيرة محبوبة لموليير، لكن من نتكلم عنهم اليوم هم المتحذلقون جمع المذكر السالم. أنت تعرفهم وتراهم في كل مكان وفي كل مهنة، لكن مهنة الأدب بالذات قد ابتليت بحشد من هؤلاء. 

ولأن الشيء بالشيء يذكر فعلينا أن نتذكر الساخر العظيم الذي فارقنا هذا الشهر (أحمد رجب). الرجل الذي قرأت كل حرف كتبه تقريبًا، ولأول مرة جربت شعور أن تضحك حتى تشل عضلات بطنك فلا تستطيع التنفس، وتصير حياتك مهددة فعلاً. إن من لم يقرءوا كتبه (صور مقلوبة) و(كلام فارغ) و(الأغاني للأرجباني) و(توته توته) محظوظون فعلاً، لأن الحياة مازالت تدخر لهم متعًا هائلة لم يجربوها بعد. إن صندوق الحلوى ما زال مغلقًا ينتظرهم أن يفتحوه. نتذكر أحمد رجب العظيم، لأنه كان من ألد أعداء التحذلق. لسانه الحاد الشبيه بسوط يهوي على كل هؤلاء المدعين ليمزقهم إربًا.