قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Loading...

Monday, May 18, 2015

رجل من شارونا



spc

قابلتُهُ أوَّلَ مرة منذ عشرة أعوام في حفلٍ بمكتبة مبارك، وكان — وكنت — من ضمن الأسماء التي تمَّ تكريمها في ذلك اليوم. ظَلِلتُ أرمقُه في افتتانٍ كما تراقِب المراهقةُ مطربَها المفَّضل … إِذَن هو أنت! يعقوب الشاروني … الاسم الذي رافَقَ طفولتي وصار علامةً على الاستمتاع والمنفعة العقلية … الرجل الذي لا يُذكَر أدبُ الطفل في العالَم العربي إلا ويُذكَر اسمه تلقائيًّا. ظَلِلتُ أراقب سكناته وحركاته ولم أستوعب شيئًا ممَّا قيل في الحفل، وبعد الحفل قدَّمْتُ له نفسي راجفًا … لم يكن قد سمع عني قطُّ، لكنه على الفور تأبَّطَ ذراعي كأنني صديق قديم، وراح يناقش الموظفةَ عن كتبٍ استعارها أحفادُه ولم يعيدوها … هذا الرجل يمشي على الأرض مثلنا وله أحفاد إِذَن! ارتكبتُ غلطةً مضحكةً عندما قلتُ له إنني أُعجبتُ جدًّا بكتابه عن الخيال العلمي في الأدب العربي، فقال باسمًا: «لأ … ده يوسف!»


كنتُ أخلط دائمًا بين يعقوب الشاروني ويوسف الشاروني. لهما أخٌ ثالثٌ هو صبحي الشاروني، وهو فنان تشكيلي مهم … كاتب أطفال وفيلسوف أديب وفنان تشكيلي.

مؤامرة الصمت



spc

فى المدرسة الثانوية كنا فى واحد من تلك الامتحانات التى لا أهمية لها، ولا تضاف درجتها إلى المجموع الكلى، لذا كان مسموحا لنا أن نعبث كما نريد وأن نخرج الكتب لننقل منها، والكل كان يفعل ذلك، بعلم المراقبين وصفحهم طبعا. طلب المراقب من أحد الطلبة ألا يحدث صخبا، فقال الطالب متظرفا: «بنغش بس يا بيه !».

هنا استشاط المراقب غضبا، وأصر على طرد الطالب قليل الأدب خارج اللجنة وتمزيق ورقته. خطر لى فى تلك اللحظة أن الفتى استحق هذا العقاب، لأنه قد خرق مؤامرة الصمت أو (الاستعباط) العام الذى يسود اللجنة: أقنعنا أنفسنا أن هذا امتحان محترم وأننا أمناء صادقون، فلماذا يتطوع بأن يذكرنا بأننا نغش؟ ولماذا يهدم سلامنا النفسى بهذه الحقيقة؟


تذكرت هذه القصة عندما عرفت قصة المستشار محفوظ صابر وزير العدل. لقد صرح بأن ابن عامل النظافة ليس من حقه العمل فى القضاء. هنا انقلبت الدنيا كلها عليه، برغم أنه ذكر حقيقة واقعة.. قاسية فعلا وتدل على العنصرية وتخرق الدستور، لكنها حقيقة راسخة. الدستور يقول فى المادة 53 إن الناس سواسية فى الحقوق والحريات والواجبات بلا تمييز، والتمييز جريمة يعاقب عليها القانون.

سيد الحرب



spc
التحرير - 11 مايو 2015

منذ البداية أدرك يورى أورلوف وهو قادم من أوكرانيا أن المطاعم تستغل شيئا واحدًا هو غريزة حب الطعام لدينا، وبالمثل فإن الرغبة فى القتل كامنة لدى البشر جميعًا، وعندما ترتحل أسرته إلى الولايات المتحدة فإن أباه يزعم أنه يهودى، لأن هذه من المرات القليلة التى يفيدك فيها جدًا أن تنتحل الديانة اليهودية.

يتلقى درسه الأول من تاجر سلاح شهير ناجح، يعترف بأنه يمد العراق وإيران معًا بالسلاح فى حرب الخليج الأولى. المبرر الأخلاقى لديه هو أنه يتمنى أن يخسر الطرفان معًا.


هذه هى العشر الدقائق الأولى من فيلم (سيد الحرب) الذى أنتج عام 2005 وقام ببطولته نيكولاس كيدج مع جاريد لوتو، وأعتبره فيلمًا بالغ الأهمية لم يلق حظه من الشهرة.

ليست شيوعية



spc

أذكر عام 1986 أننى كنت طبيب امتياز، وكنت أركب الحافلة فى الصباح مرهقًا، إذ لم أنم الليل بطوله بعد نوبتجية سوداء.. دعك من البلطجى مدمن المخدرات الذى كاد يمزقنا بالمطواة أطباء وممرضات فى الثالثة صباحًا.. وكان فى جيبى خمسة جنيهات هى ما بقى من الراتب، بينما جلس خلفى رجل عالى الصوت يحكى لصديقه فى حماسة: «هؤلاء الأطباء الملاعين الجهلة يحصل كل واحد منهم على ألف جنيه يوميًّا، وفى مسكن الأطباء ينعم بأفضل فراش وأرقى الأكلات، ثم يذهب للقسم ليلاً ليسرق الأدوية ثم يضاجع الممرضات جميعًا.. ويهمل المرضى تمامًا. إنهم حطب جهنم!..».


طبعًا كان كلامه معجونًا بألف (ابن كذا) وألف صوت حلقى مستنكر وألف وصف لعورات الأمهات. بالطبع لم أقل شيئًا وأسندت رأسى للزجاج وغبت فى نوم عميق. هناك درجة من الظلم وخطل الرأى تجعلك عاجزًا عن قول حرف واحد.

Wednesday, May 6, 2015

لغز الغرفة المغلقة



spc

قال المفتش مكدوجال:
- «حفظ الله الملكة... لعمرى يا صاحبى هذا لغز محير يستفز ذكاءنا»

قال مساعده المفتش ولسلى:
- «لقد مررنا بما هو أعقد أيها القومسيير.. لابد أننا واجدون حلا»


أشعل مكدوجال غليونه. سيكون من المخزى لسمعة رجال سكوتلانديارد أن يفشلوا فى كشف غموض هذه الجريمة خاصة أنهم ليسوا فى بلدهم.. إنهم فى مصر يمثلون الشرطة البريطانية. الكل يتوقع منهم جوابا حاسما.

أما هذا المصرى الواقف جوارهما فهو بسطويسى.. مخبر ضخم الجثة محدود الذكاء كما هو واضح.

Thursday, April 30, 2015

عن العزاء المتحفظ



spc

فقدنا الأبنودي، ففقدنا جوهرة أخرى من تاج الفن المصري والقوة المصرية الناعمة.. ليس هناك واحد لم تترك كلمات الأبنودي علامة في عقله أو قلبه.. إنه جزء من نسيج حياتنا والهواء الذي نتنفسه. كل هذا مفهوم.. ما لم أفهمه هو التعليقات التي ظهرت في بعض الصحف وعلى مواقع الإنترنت.


في مواقع الليبراليين: الرجل ساند العسكر.. في مواقع الإخوان: الرجل أيد الإطاحة بمرسي.. في مواقع اليساريين: الرجل لم يصطدم بالسلطة قط وظل على يمين الحاكم في كل العصور، ولم ينضم لثورة يناير إلا عندما تأكد من أنها طوفان جارف.

أعادني هذا الموقف لظاهرة تتكرر دائما في المواقف المشابهة.. العزاء المشروط المتحفظ.. فلان موهبة عظيمة، لكن كذا وكذا.. وضع موقفه السياسي.

Tuesday, April 28, 2015

دعني أخدعك … دعني أنخدع



spc

تكلَّمْتُ كثيرًا في كتاباتي عن هذه القاعدة التي اخترعتُها، والتي تقضي بأن القارئ للرواية يبتلع بعضَ الأشياء غير القابلة للابتلاع ويغفرها للكاتب، وهذا من منطق أنه يقبل أن ينخدع كي تدور عجلةُ الخيال؛ كالزوجة التي تتجاهل الأدلةَ التي توحي بأن زوجها يخونها، فقط لتستمرَّ الحياة …


كل العملية الفنية نوعٌ من الخداع في الأصل؛ أنت تجلس لتقرأ روايةً تعرف أنها لم تقع على الأرجح (وإلَّا لقرأتَها في صفحة الحوادث)، وترى أشخاصًا مثلي ومثلك على المسرح وفي السينما، يمثِّلون أشياء لم تحدث؛ عندما يسقط البطل برصاصةٍ فأنت تعرف أنه سليم، وفي المسرح يسمون هذا بالحائط الرابع. هذا الحائط الذي يقف بينك وبين الممثلين على خشبة المسرح، فيجعلك تتناسى أنهم ناس مثلي ومثلك يتظاهرون … لأنيس منصور كتاب جميل اسمه «يسقط الحائط الرابع»، يقوم فيه بالدُّنوِّ من شخصيات شهيرة لنراها كبَشَرٍ؛ أي إنه أزاحَ عنها هالةَ الإيهام.