قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Loading...

Monday, June 25, 2012

الرقص على الهيدروجين



spc


لدى قارئ هذا المقال مزية مهمة عنى، هى أنه يعرف الرئيس القادم لمصر.. يجب أن يكون الرئيس معروفًا صباح «الإثنين» وإلا كانت كارثة، أما عنى أنا الذى أكتب هذا المقال مساء «الجمعة»، فلا أعرف سوى ما يقال من الطرفين. المنطق يقول إنه مرسى.. الحشود فى التحرير تقول إنه مرسى.. قدرة الإخوان على الحشد والتنظيم تقول إنه مرسى. لكن حالة الصمت الطويلة المريبة وهذا التحفز الأمنى والحكم العسكرى الوشيك الذى لا ينقصه سوى عود ثقاب كى يتحقق، ووسائل الإعلام التى تكرر: «يجب قبول نتيجة الانتخابات مهما كانت».. كل هذا يقول إنه شفيق

أنت سعيد الحظ لأن الأمور الآن واضحة لك كالشمس، لكن -صدقنى- لم تكن الأمور هكذا وأنا أمشى فى شوارع المدينة القلقة المتوترة يوم الجمعة، وأجلس على المقاهى لأسمع من يقسم بقبر أمه أن الفائز هو شفيق، ومن يقسم أن الفائز هو مرسى

لماذا يصرون على وضعنا فى هذه الحالة الضبابية من عدم اليقين، وإلى متى؟ بينما أنصار كلا المرشحين يؤكدون أنها مش حالة ضبابية بتاتًا، ويشتمون كل من يعتقد أنها ضبابية.. كل طرف يعرف يقينًا أن مرشحه فاز وانتهينا. وكما وصف الأديب الكبير يوسف القعيد الموقف: «كل طرف يقول أنا أحترم نتائج اللجنة، لكن أنا رئيس مصر القادم»ـ

هناك سياسة عامة تهدف إلى خلق حالة ضبابية فى كل شىء، ويكفى أن وفاة مبارك أذيعت تقريبًا بشكل رسمى فى وسائل الإعلام، ثم قيل إنها وفاة إكلينيكية، ثم قيل إنها ليست وفاة إكلينيكية.. والآن ندرك أننا على الأرجح خُدعنا وكان الغرض نقله إلى مستشفى عسكرى لا أكثر، لأن طرة لا تناسبه

جو عام من التوتر.. لكن من قال إن الديمقراطية لعبة سهلة؟

شاهدت الفيلم البريطانى كرومويل منذ أعوام، فأثار دهشتى كم الصراعات والجدل الذى خاضته بريطانيا.. الملك ينوى توجيه ضربة دستورية للبرلمان. لن نغادر القاعة إلا على أسنة الرماح.. إلخ.. صراع دام مئات الأعوام حتى تصير بريطانيا هى تلك التى نعرفها، ومعنى هذا أننا فى الطرق الصحيح فعلًا، ونقول نفس الكلام الذى كان هؤلاء يقولونه منذ قرنين، بينما كانت الطريقة السهلة مريحة جدًا.. طريقة الدليفرى: اجلس فى بيتك يا برنس ونحن سوف ننتخب الرئيس والبرلمان لك

حتى فى أمريكا نحن نعرف قصة بوش الابن مع آل جور، وكيف أعلن بوش نصره وهنّأه آل جور.. ثم اتصل به يسحب التهنئة، لأن هناك ولاية لم يتم حصر أصواتها.. هذا نموذج على أن الاضطراب وارد فى هذه الأمور حتى عندهم

أما عن الرئيس القادم، فأهلًا بأى رئيس يختاره الشعب من دون تلفيق.. عندما يتكلم الصندوق فعلينا ابتلاع ألسنتنا والصمت.. أرفض شفيق بشدة ولا أرحب بمرسى، لكن هذه هى الديمقراطية.. عليك أن تقبل، ولا تلعب بطريقة (لو هزمت فلن ألعب)ـ

الجو مشتعل والنفوس متوترة.. والحقيقة أننى أرتجف لما يمكن أن يحدث لو أعلنوا فوز شفيق. عنوان فيلم (الرقص على الهيدروجين) يطاردنى فعلًا هذه الأيام العصيبة، لأن إعلان شفيق رئيسًا لا يختلف كثيرًا عن إلقاء قنبلة هيدروجينية على القاهرة

الجو مشتعل والنفوس متوترة، وقد وصلت المواجهة مع المجلس العسكرى لذروتها على ما أعتقد.. الكلمات واضحة والتهديد جلى من الطرفين ولا يقبل تفسيرات أخرى

الرئيس الجديد أمامه تحديات مرعبة، فعليه أولًا أن يثبت أنه ليس دمية شرفية. على الإنترنت تتناثر العبارات الساخرة ومنها عبارة ذكية تقول: «المجلس العسكرى يسمح للرئيس بدخول دورة المياه بلا استئذان.. مافيش مشكلة فى دى». الحقيقة أن الإعلان الدستورى يجعل هذه الخطوة عسيرة كذلك! يقول البعض إن الإعلان الدستورى هدفه أن لا يعطى الرئيس سلطة مطلقة مفسدة بالضرورة.. أضيف أنه لا يعطى الرئيس أى سلطة من أى نوع!ـ

كيف يكون شكل الصدام؟ خذ قرصًا مهدئًا وحاول أن تتخيل السيناريو

لو فاز مرسى فأنا أتوقع أن تدلهم الأمور.. سيتم عقاب الشعب على اختياره ويتم خلق حالة من الحصار شبيهة بما حدث فى غزة. لا أتوقع حلًا قريبًا لمشكلة البنزين، ولا حلًا قريبًا لمشكلة نفاد الاحتياطى من النقد الأجنبى.. حالة عقاب جماعى شبيهة بما حدث لغزة مع حماس.. لو كان الرئيس هو مرسى فهل اتخذ احتياطه لذلك؟

وماذا عن القوى الوطنية التى ساندت مرسى والإخوان، والتى تخلّت عن قناعاتها الخاصة من أجل توحيد الصف أمام محاولات افتراس الثورة؟ هذه هى الحكمة بعينها وإننى لأنحنى احترامًا لهم.. أرجو أن يتذكر الجميع هذا الموقف، وأن لا تمضى أشهر ثم يعود البرادعى متهمًا باحتلال العراق، ويعود وائل غنيم ماسونيًّا، ويعود علاء الأسوانى مروجًا للفساد فى قصصه.. إلخ. أقول ما سيقال عند أول خلاف رأى.. أرجو أن يتذكر الجميع أن هؤلاء وطنيون اختاروا طريقة أخرى للتعبير عن وطنيتهم

على الرئيس مرسى كذلك أن يتذكر أنه يعمل لدى الشعب المصرى، وليس لدى جماعة الإخوان.. هذه نقطة بديهية، لكن نسيانها سهل جدًا

هذا بالطبع لو جاء مرسى للحكم.. أما لو جاء شفيق فلربما كان هذا هو المقال الأخير فعلًا. لو نجونا من القنبلة الهيدروجينية التى ستهوى علينا جميعا، فسوف يأتى وقت تصفية الحسابات مع الجميع

ولمن لا ينتمون إلى هذا التيار ولا ذاك، أقول إن عليهم البدء من الآن فى تكوين خيار ثالث.. خيار يستفيد من أخطاء النخبة المثقفة ويتلافاها ويعرف كيف يصل إلى الجماهير فى الأحياء العشوائية والكفور والنجوع. يجب الابتعاد عن فيسبوك وتويتر قليلًا، فالسياسة لا تمارس بطريقة (لايك) و(آساحبى) ووجه (ياو مينج) الضاحك الذى صار ماركة مسجلة على السياسة فى مصر… لو لم نفعل هذا فلسوف نجد ذات الخيار الصعب (مبارك/إخوان) بعد أربع سنوات لو عشنا

نعم.. أنتم محظوظون لأنكم فى صباح «الإثنين» وقد عرفتم نتيجة الانتخابات، وأنا لم أعرفها بعد فى مساء «الجمعة».. هل يمكنكم أن تلمحوا لى؟