قصاصات قابلة للحرق

Monday, March 18, 2013

من فنون التثبيت



spc


هناك أشياء تظهر فى العالم بمجرد أن يتم صك المصطلح الخاص بها، وقد لاحظ الساخر العظيم مارك توين أن مرض السرطان ظهر بعد ما اخترع العلم مصطلح السرطان، لذا هو يؤرخ قائلاً (قبل اختراع السرطان كانت الأمور كذا وكذا..). نفس الشىء بالنسبة للتثبيت.. قبل أن يظهر مصطلح (تثبيت) لم يكن هناك تثبيت على ما أذكر.. كان هناك سطو مسلح..فما بعد شاع التثبيت، ويبدو أنه جزء من ثقافة العصر

لن أزعم على طريقة حزب (احنا آسفين يا ريس) أن الحياة كانت جنة قبل الثورة. أذكر قبل الثورة بأشهر أننى كنت مدعوًا لحفل توقيع فى القاهرة، وعندما وصلت السيارة إلى شبرا اتصل بى ابن شقيقتى ليخبرنى بقصة مسلية؛ هى أن لصًا صعد وراء أختى فى سلم بيتها بطنطا، وانتزع الحقيبة التى كانت تحملها.. النتيجة أنها فقدت توازنها وتدحرجت طابقين كاملين، بينما فر هو بالحقيبة. هذا عمل يحتاج إلى أعصاب قوية من اللص ليدخل بيتًا ويصعد فى الدرج وينتزع حقيبة سيدة تقف على باب شقتها. هكذا عدت أدراجى.. لم يعد من الممكن الذهاب لحفل توقيع بينما لا أعرف ما يدور فى طنطا فعلاً

فى ذات الزمن كانت هناك قضايا مثل سفاح بنى مر وابنة ليلى غفران واختفاء رضا هلال، وهى قضايا دخلت دائرة الألغاز الكونية التى لن نعرف حلها إلا عندما نموت.. وكنا نشكو أن الداخلية لا تهتم بالأمن الجنائى بتاتًا بل جل اهتمامها هو الأمن السياسى وأمن الأسرة المالكة. وكنت تذهب للشرطة تشكو شبابًا ضربوك أو يتحرشون ببناتك فينصحك الضابط بأن تستأجر بعض البلطجية. وقبل الثورة بأيام حدث انفجار الكنيسة الأشهر والذى لم تعرف أسراره بعد، وقال البعض بلا دليل إن مدبره هو العادلى... لا أنفى ذلك أو أصدقه ولكن أطالب بالتحقيق. الشرطة لم تكن بالكفاءة التى نتخيلها قبل الثورة برغم أنها كانت بكامل عافيتها.. آخر مقال كتبته قبل الثورة كنت أطالب فيه باستقدام خبراء أجانب لإصلاح المنظومة

بعد الثورة استمرت حالة الانفلات هذه وتفاقمت، إلى أن بلغت ذروتها هذه الأيام، ومن الواضح تمامًا أن انهيار الشرطة هو الحل السحرى للكثيرين لأنه يقود لنزول الجيش لتولى مقاليد الحكم.. بيان أول للقوات المسلحة.. مظاهرات لا يكن.. اعتصامات لا يكن..إخوان لا يكن.. الله.. الوطن

المجد للتثبيت فهو لغة العصر.. ويبدو أن السنجة والكزلك صارا ينتميان لعصر عزيز لن يعود، بعد ما صار السلاح الرسمى اليوم هو البندقية الآلية... يقول أحد المعلقين الظرفاء على الإنترنت إنه يفتقد زمن الأخلاق الجميلة عندما كانت لفظة (ابن الكلب) تعتبر شتيمة

مؤخرًا كان هناك حفل توقيع فى الزمالك فى مكتبة دار الشروق، وقد قمت بترتيب كل شىء للسفر مساء. عدت لبيتى فى طنطا بصعوبة بالغة ظهرًا لأن طوابير السولار تسد كل مكان. السيارات تقف ثلاثة صفوف أمام محطات البنزين وعليك أن تمر بسيارتك من ثقب الإبرة.. فى البيت اتصل بى السائق الذى سيقود سيارتى إلى القاهرة، وكان فى مشوار فيها صباحًا... قال لى باختصار شديد إن الأحوال زى الزفت، وإن القاهرة مغلقة تمامًا بسبب إضراب سائقى الميكروباص، وإن الطريق السريع عجين من السيارات التى لا تتحرك، وأنه تلقى الكثير من قوالب الطوب فى كل نفق مر تحته، وإن معظم السيارات تعود من القاهرة لأنها عاجزة عن دخولها.. ثم قال فى لهجة حيادية:ـ
ـ«لكن أنا تحت أمرك!»ـ

اتصلت بصديقين فى القاهرة فقالا لى إنه من الحكمة ألا أسافر.. اليوم بالذات.. طبعًا كانت القطارات معطلة لمدة ست ساعات لأسباب مماثلة، وكل الطرق مغلقة فى مصر.. صار من ثقافة الثورة أن تبدأ يومك بغلق الطريق أولاً لأنك محتج أو لأنك غاضب، ثم تعلن مطالبك. وهكذا لم يعد من مناص سوى الاتصال وإلاعتذار عن عدم الحضور

يبدو أن القرار كان حكيمًا لأن أحد معارفى تم تثبيته قرب قويسنا فى نفس اليوم والوقت، مع محاولة سرقة سيارته، وتم إطلاق الرصاص عليه لكنه نجا بحمد الله

عندما مررت بميدان المحطة حكوا لى عن الرجل الذى كان يركب دراجته فى الثانية صباحًا ليشترى دواء لابنته، وتم تثبيته.. تلقى طعنات قاتلة ثم ألقوا به من فوق الكوبرى ليتهشم

اتصلت بصديقى الطبيب فوجدت أنه تم تثبيته مرتين أثناء عودته من العيادة. يبدو أننا تحولنا إلى دولة من المثبّتين - بكسر الباء -والمثبّتين  - بفتح الباء -. صيدليات كثيرة من ذوات الخدمة الليلية قامت بتركيب بوابة حديدية ذات نافذة، بحيث يتعامل الصيدلى من خلالها مع الجمهور الليلى.. الجمهور المتعطش للترامادول طبعًا، والذى سيقوم بتثبيت الصيدلى للحصول على كل قرص ترامادول فى الصيدلية

واضح أن التثبيت هو الموضة، وأن من يثبّتون سوف يتم تثبيتهم.. وهكذا. إلى أن نصل إلى وضع توازن شبيه بتوازن الغازات، وهكذا تستقر الأمور ولا يثبت أحد الآخر لأن الدورة شملت الجميع

والحل؟ لايبدو هناك حل فى الأفق. الكلام عن الضبطية القضائية والميلشيات كلام فارغ بالتأكيد وهو بالفعل وصفة الحرب الأهلية الجاهزة.. أنت تعرف ما سيحدث بالضبط عندما تعتبر كل فئة أن الصواب فى جانبها وتحاول فرضه بالقوة. فى الحقيقة أثير الكثير جدًا من الدخان والصخب حول بيان النائب العام، وكنت أتمنى أن أقول إن وراء الدخان لا توجد إلا نار ضئيلة أو لا نار على الإطلاق، لكن فوجئت بالأخ الزمر يتكلم فى قناة (الجزيرة مباشر) عن الميليشيات الإسلامية مستحسنًا، ووجدت تصريحًا للداعية فوزى السعيد يقول: "لولا أن رئيس الجمهورية أمر ألا يحمل السلاح فى أحداث الاتحادية لرأوا منا ما لا يتوقعونه، وأقول للأقلية الخارجة -المارقة- على رئيس الجمهورية لن تستطيعوا مواجهة الشعب بأكمله، وإذا احتدم الأمر فسيرون منا ما لم يكونوا يحتسبون". وهو كما ترى كلام يصعب الدفاع عنه أو الالتفاف حوله. كلام الشيخ يقول بالضبط إن لدينا السلاح لكننا لم نستعمله، ونحن جاهزون للعنف متى اقتضت الضرورة

هل حقًا تقدم هذه التصريحات خدمة لمرسى أو تهدئ النفوس المشتعلة؟.. وفى الوقت الذى تنفى فيه الحكومة موضوع المليشيات هذا تؤكده هذه التصريحات

فى لقائه مع هيكل، شبّه تيتو يوغوسلافيا بحفنة رمال يمكن بالضغط أن تتحول إلى كتلة شبه متماسكة، لكن ما إن يزول الضغط حتى تتفتت ثانية. يمكن القول بوضوح إن قبضة الحكومة متراخية تمامًا على الرمال. قلت من قبل إن مرسى يقود البلاد إلى حيث يريد بالضبط. إنه ذكى لكنه لا يتمتع بالكفاءة أو الحزم. أوضاعنا تزداد سوءًا بلا توقف، ويمكن تخيل ما سنصل له بعد عام من هذه المتوالية. الحل ليس فى إزاحة مرسى أو استعداء الجيش عليه كما يفعل الإعلام أربعًا وعشرين ساعة. هذا هو طريق دخول النفق المظلم الغارق بالدماء الذى لن يخرج منه أحفادنا

الحل الوحيد هو الانتخابات المبكرة وهذه ليست بدعة، وكل دول العالم المتحضرة تلجأ لها.. لنجدد الثقة بالصندوق ولتخضع الانتخابات لأعلى رقابة ممكنة.. إما أن يقول الصندوق إن الناس تريد استمرار مرسى، فليبق إذن ولتهدأ النيران والعواصف.. وإما أن يقول الصندوق إنه لا يريد الرجل.. فليرحل فورًا وليأت من يستطيع أن يجمع حبات الرمل هذه.. ليأت من يستطيع وقف مسلسل التثبيت