قصاصات قابلة للحرق

Saturday, March 29, 2014

تعالوا ننخدع من جديد - 4



spc


رتب زميل عزيز أن تتم التجربة أمامنا فى القسم الذى نعمل فيه. جاء شاب ريفى محترم على قدر من الثقافة، وقال لنا إنه لم يصدق الأمر حتى جربه بنفسه، وهو لا يريد أجرًا بل يفعل هذا طلبًا للثواب.. الحمام حسب كلامه يشفى التهاب الكبد سى بمجرد وضعه لفترة على بطن المريض، وقال إن الأمر يحتاج إلى بضع جلسات.. فى البداية تموت خمس حمامات. ثم يقل العدد مع الوقت لأن الحمام يمتص السم كله.. تشق بطن الحمامة فتجد أن كبدها قد تليف من فرط ما امتصه من فيروسات. حتى يأتى اليوم السعيد الذى لا تموت فيه الحمامة.. هذا يوم انتصار العلاج الشعبى على الطب.

قال إنه أجرى التجربة غير مصدق، ثم أجرى اختبار PCR الذى يشخص التهاب الكبد سى فوجده قد صار سلبيًا. طبعًا لم نصدق حرفًا لكن الفضول كان شديدًا وأردنا فعلاً أن نفهم ما يفعله، من منطق (آدى الجمل وآدى النخلة). حلق بالموسى الريش عن بطن الحمامة وحلق الشعر عن بطن مريض جاء معه، ثم وضع الحمامة على بطن المريض ملاصقة له وراح يضغط ويضغط والكائن الصغير البائس يجاهد كى يتنفس.. فى النهاية لم تتحمل وماتت خنقًا.. قال لنا فى ثقة إن سبب موتها هو امتصاصها للفيروس. ثم ذهب بالجثة إلى الحمام وشق بطنها ليرينا الكبد.. لم يكن متليفًا طبعًا ولا يمكن أن يتليف بهذه السرعة، لكن كل شيء كان مهشمًا كأن قطارًا دهم الحمامة.. كل شيء محتقن دام.. بدا لبعضنا أن هذه ألعاب حواة لا تليق بمكان للعلم، أما أنا فرأيت هذه تجربة مهمة لأنها ترينا رأى العين ما يحدث فعلاً فى الريف.

بعد أسبوع جاء هذا الشاب وقال لنا باقتناع حقيقى أنه اكتشف أن هذا كله هراء ولا يشفى أحدًا ، والأهم أنه اكتشف أن اختبار PCR الخاص به ما زال موجبًا.. كان منذ أسبوع واحد شديد الاقتناع. لكن يجب أن نعترف أنه تصرف بحسن نية ولم يطلب الكسب، بينما كان الريف يعج وقتها بمن يبيعون ألعاب الحواة هذه.

قالت لى طبيبة مهمة فى الطب الوقائى بوزارة الصحة إن هؤلاء النصابين أدوا لندرة الحمام وارتفاع سعره فى كل قرى الغربية.

تذكرت على الفور ساحرًا أفريقيًا كنت أراه فى برنامج د. مصطفى محمود الجميل (العلم والإيمان). كان يسقى الكتكوت من قنينة سم.. بانتظار أن يموت.. لو عاش لعاش المريض ولو مات فالمريض حالة ميئوس منها. وبلغة د. مصطفى الساخرة: «يا كتكوت يا كتكوت.. حتعيش والا حتموت؟». عندما ترى هذا فى مجاهل أفريقيا فقد تقبله، لكن أن ترى الشيء نفسه فى مصر فى القرن الواحد والعشرين فالأمر يحطم الأعصاب فعلاً

 بعد هذا كان علينا أن نتحمل عيادات العلاج بالأوزون والآشعة فوق الحمراء وتحت البنفسجية والعلاج بوضع المرضى تحت هرم.. وفى كل مرة يؤكد لك مريض متحمس أن هذه الطريقة ناجعة. ثم يكتشف المرضى أن هذا هراء وينسون الأمر. بعد هذا جاء العلاج بالأعشاب.. كل طبيب كان لديه كيس غامض مليء بأعشاب حضرها بنفسه ولا يعرف أحد تركيبها، يبيعه بمائتى جنيه للطوابير التى تتردد على عيادته.

لقد أدى التهاب الكبد سى إلى انتعاش تجارة الأراضى والعقارات فى مصر وأدى لإثراء جيل كامل من الأطباء والنصابين. كان هناك نوع من الأعشاب (خيار الثعبان) أعلن مركز البحوث أن نتائجه مذهلة، وسوف يعلنها فى – وهى مصادفة عجيبة – 30 يونيو. والتزم الصمت تمامًا حول أى تفاصيل عن الأمر. كان هذا فى أواخر التسعينيات. يومها قال أحد أساتذة الكبد العظام لنا: «أراهنكم ان 30 يونيو بتاعهم ده مش جاى أبدًا!». بالفعل.. لم يعلنوا أى شيء حتى هذه اللحظة.

ثم ظهرت موضة العلاج بالإنزيمات.. ثم ظهرت الحبة الصفراء DDB التى تكلمت عن روعتها الركبان، وكان الطيارون يجلبونها معهم من الصين ليبيعوها بسعر الذهب فى مصر، وقالت وزارة الصحة إنه رائع. استغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى يتضح أنه عقار بلا جدوى، واكتشف العلماء الحقيقيون أن العقار يضلل نتائج المختبر. أى إنه يعطى نتائج خاطئة توحى بالتحسن.

ثم جاء العلاج بالكفتة، وهو موضوع عرفه الجميع. كتب أحد المعلقين على الإنترنت (بالحرف الواحد وبلا علامات ترقيم) مبديًا انبهاره بجهاز علاج الإيدز والالتهاب الكبدى سي: «انا مصرى وافتخر شيء مزهل عندم يخترعو المصرين هذا الجهاز انا فى قمه فخرى ببلدى مصر تعيشى يا بلدى وتزهلى العالم ( دئما نصنع التاريخ)» الحماس الوطنى شيء جميل بشرط ألا يتحول إلى شوفينية وفقدان تام لملكة النقد. ثانيًا لغة هذا المعلق تخبرك بمشكلتنا: لو كان التعليم جيدًا، وكنا نعرف كيف نكتب لغتنا لتحسن فهمنا للطريقة العلمية. على كل حال أعتقد أن العالم (مزهول) فعلاً من هذا الكشف العجيب. أوافق تمامًا على هذا الجزء.

كلما كتبت عن الطب الزائف وتجارة الأوهام، كتب لى أصدقاء محترمون يقولون إن كل الأدوية أصلها أعشاب، فلا تثريب على من يعالج كل الأدواء بالأعشاب (مش الأفضل نرجع للطبيعة؟). بالطبع كل علم الصيدلة جاء من النباتات، لكن عليك قبل أن تستعمل عشبًا للعلاج أن تخبرنى باسم المادة الكيميائية فيه، ولماذا هى قادرة على العلاج، ثم تفصلها نقية، ثم تدخلها فى سباق الماراثون المرهق الذى يستهدف تطوير دواء جديد، بمراحله الأربع التى يعرفها دارسو الصيدلة والأطباء.

المسألة ليست لعبًا إذن... كنت أقرأ ملخص دراسة أمريكية فحصت مجموعة مرضى على مدى عشر سنوات بحثًا عن إصابات الكبد الناجمة عن الأدوية؛ خصوصًا تلك الأدوية التى تصنف كأعشاب أو مكملات غذائية. تبين أن نسبة 15% من أمراض الكبد ناجم عن هذه الأدوية (الآمنة). تبين كذلك أن 35% من حالات تلف الكبد تلك نجم عن الأدوية التى يتعاطاها الشباب لبناء عضلاتهم. وكانت هناك نسبة 20% من الاضطرابات الناجمة عن أدوية الأعشاب. إن نسبة الإصابات تتزايد فى الولايات المتحدة مؤخرًا ، وخصوصًا مع أدوية كمال الأجسام تلك.

فيما مضى ذكرت شبكة BBC التالى عن انتشار العلاج بالأعشاب الصينية فى بريطانيا: «تتمحور المشاكل حول عقاقير وأدوية تتضمن مادة اريستولوتشيا، وهى مادة عشبية سمية تؤثر بدرجة رئيسية على الكلى ، كما يشتبه فى كونها مادة مسببة للسرطان أيضا، كما كشفت الوكالة البريطانية وجود مواد سمية ثقيلة مثل الزئبق والزرنيخ فى عدد من الوصفات العشبية، ويعترف رئيس الجمعية الأوروبية لممارسى طب الأعشاب مايكل ماكنتاير بأن هذا القطاع لا يخضع إلى أى رقابة او تنظيم، حتى وإن كان ذاتيا، ويقول إن بإمكان أى شخص الادعاء بأنه يفقه فى طب الأعشاب. ويعرف عن العلاج بالأعشاب أنه لا يخضع لنفس الرقابة والاختبارات الصارمة التى تخضع لها المنتجات الصيدلانية الخارجة من المختبرات العلمية».

فطر (أمانيتا فلويدس) يسبب فشلاً حادًا للكبد.. أى أن المريض يموت بغيبوبة كبدية خلال ساعات أو أيام.. كنا نقرأ عن مرض انسداد أوردة الكبد veno-occlusive disease ونحسبه بعيدًا عنا، ثم عرفنا من فقيد الطب الأستاذ فؤاد ثاقب أن (الجعضيض) و(الرجلة) يؤديان هذا الدور بنجاح تام.. أليست هذه نباتات؟.. وبالتالى طبيعية ومفيدة؟

الخلاصة: لابد فى البداية أن تعرف ما تتكلم عنه. ما المركب الكيميائى المفيد؟.. هل تستطيع فصله؟.. هل تعرف كيف يعمل وإتاحته الحيوية؟.. لو لم يرق هذا لك فعلينا أن نغلق كليات الصيدلة كلها ونوفر هذا الإنفاق على الدولة، ونكتفى بأن (نزهل) العالم