قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Tuesday, May 6, 2014

عن المقولات الملفقة



spc


فى مقال قديم لى – نشر فى صحيفة إماراتية – قلت إننى أتضايق من عادة انتحال عبارات ونسبتها لمشاهير لم يقولوها.. هذه عادة قديمة جدًا ويبدو أن الناس لن تتخلى عنها بسهولة، ولعل أقدم مثال يرد لذهنى هو عبارة (لماذا يتظاهرون من أجل الخبز؟.. لم لا يأكلون البسكويت؟). هذه العبارة المنسوبة لمارى أنطوانيت لم تقلها قط.. لكن من المستحيل أن تثبت العكس.

الفكرة هنا هى أن المرء يحاول أن يعطى أهمية مطلقة لكلامه فينسبه لشخص مشهور.. وهكذا تولد عبارات غريبة جدًا؛ مثلاً هناك على النت مقولة تقول «لو كان جيشى من المصريين لحكمت العالم – أدولف هتلر». كامل احترامى للجندى المصرى الباسل، ولكن لم أسمع قط أن هتلر قالها، وهى لا تتفق مع تفكيره العنصرى. هو بنفسه قال فى كتاب (كفاحى) إن كل سكان أفريقيا قردة هبطت من الأشجار، أى أن تفكيره الضيق لا يمكن أن يقبل توجيه المدح لجنس غير آرى.

شكسبير يصلح كسلة مهملات تلقى فيها أى عبارة تروق لك.. هناك طن من المقولات المنسوبة لشكسبير، على غرار: «الشرطة فى خدمة الشعب».. «القناعة كنز لا يفنى».. «الفيس بوك هو ملتقى الأفكار»... «لولا الآى باد لما كتبت مسرحية ماكبث».. إلخ..

بالنسبة للعرب فإن أى بيت شعر لا تعرف قائله يتم إلقاؤه فى سلة المتنبى، وهناك احتمال 80% أن تكون على حق. المتنبى قال الكثير جدًا من الشعر الرائع، ومعظمه يصلح أمثالاً لعدة أجيال قادمة، لهذا فالخطأ ليس فادحًا على الأرجح.. الأمثلة كثيرة جدًا، مثل (نعيب زماننا والعيب فينا) وهو ليس من تأليف المتنبى كما يحب الناس أن يعتقدوا، كما أنه ليس من تأليف الإمام الشافعى، وإنما هو للشاعر البصرى (ابن لنكك) وقد تكلم صالح جودت عن هذه القصيدة فى كتابه الممتع (شعراء المجون). عندما يكون الشعر بالعامية المصرية ومثقفًا وخفيف الدم يسهل أن تنسبه لصلاح جاهين، فإذا امتلأ بالشتائم وكان جريئًا جدًا سياسيًا سهل أن تنسبه لأحمد فؤاد نجم. والنت تمتلئ بأشعار بذيئة عامية منسوبة للرجل.. لكن المرء يلاحظ انعدام الموهبة والسماجة فى معظمها فيدرك أنها منسوبة للرجل وليست له.

وجدت ذات مرة مقالاً كاملاً لى يؤكد أننى راجعت موقفى وصرت منحازًا بشدة لطرف سياسى من الطرفين المختلفين فى مصر. بالطبع لم أكتب حرفًا من هذا المقال، لهذا نشرت تكذيبًا له، وقد تضايق البعض لأننى كذبت كلامًا لم أقله!

ذكرنى بهذا الكلام ما وجدته متداولاً على النت من مقولة منسوبة للإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه، تقول: «المحايد: شخص لم ينصر الباطل ولكن من المؤكد أنه خذل الحق»

الإمام على له مقولات كثيرة عظيمة، ولكن شيئًا فى هذه العبارة يدعونى لإعادة النظر فيها. اللغة معاصرة جدًا والأسلوب ليس أسلوبه. أعتقد أن لفظة (المحايد) بمعناها الذى نعرفه معاصر جدًا، وتعبير «لكن من المؤكد» أقرب للغة الصحف اليومية. بحثت كثيرًا فلم أجد أى شيء يثبت أن هذه المقولة له، وإنما وجدت ما يؤكد أنها لأنيس منصور. لو كنت مخطئًا فإننى أرجو أن يصحح لى أحدهم هذه المعلومة.

الاحتمال الأكبر هو أن هذه الكلمات قام بوضعها على لسان الإمام على شخص ممن يمارسون قاعدة (أنت لست معى إذن أنت ضدي) التى ذكرها بوش بصراحة وكانت نتيجتها تدمير بلدين. أذكر أن ضابط أمن الدولة الذى استدعاني لمكتبه عندما كنت طالبًا، قال لى إنه يعرف أننى لست شيوعيًا. يعرف أننى محايد.. لكنه يرى أن الحياد جريمة ومعناها بالضبط أننى ضد النظام. هكذا كان الخيار أمامى إما أن أكون شيوعيًا وأنا أرفض ذلك، وإما أن أصير مخبرًا أقدم للضابط التقارير عن زملائى وهذا مستحيل.. نجوت بحمد الله من هذا الخيار الصعب باللجوء إلى بعض ذوى النفوذ، لكنى تعلمت أنك لا تستطيع أن تكون محايدًا فى مصر.. لا أحد يقبل ذلك ولسوف تنال عداوة الطرفين، ولسوف يتهمونك بالرقص على السلم تارة وإمساك العصا من المنتصف تارة، برغم أنك لا ترضى سوى ضميرك. والمشكلة هى أن كل طرف يرى أنه هو الحق الواضح كالشمس. التعريف المصرى للإيجابية هو أن يتبنى الكاتب رأيك أنت وإلا «أنا مصدوم ونادم على كل حرف قرأته لك من قبل».. أو شتائم أخرى تتعلق بالأم غالبًا.

فى مقال الأستاذ فهمى هويدى اليومى بجريدة الشروق، يحاول الرجل جاهدًا شريفًا أن يحتفظ بشعرة معاوية، وأن يتكلم بأكبر قدر من الصراحة يسمح له بأن يستمر فى الكتابة ويظل حرًا. أى أنه يحاول الحركة لأقصى حد ممكن وسط القيد الغليظ المحيط بمعصميه. النتيجة هى أن التعليقات فى صفحته تنهال عليه بالشتائم.. الشتائم التى لا يمكن تخيل أن توجه حرفًا منها لمن هو فى مثل قامته وقيمته. الغريب أن موقفه الأيديولوجى واضح لكن المعلقين الذين يشتمونه – ويا للغرابة – ينتمون لذات الفكر غالبًا. لكن كل واحد منهم يجلس فى داره آمنًا متواريًا خلف اسم مستعار، ويترك الأستاذ فى مرمى النيران، ثم يتهمه بالتخاذل والخنوع والحياد حيث لا يجب الحياد.

بالمناسبة هذا المقال لم أكتبه أنا.. كتبه محرر واشنطن بوست العظيم (ريتشارد جاكوبسون) – يعلم الله من هو– واكتفيت أنا بأن ترجمته لك!... أرجو أن تقرأه بعناية إذن فإذا كان عندك اعتراض فلتوجهه للسيد جاكوبسون شخصيًا