قصاصات قابلة للحرق

Wednesday, October 7, 2009

رجل واحد أمين - 1



spc


عندما سافرت -منذ أعوام- للعمل في المملكة العربية السعودية، كان عملي في بلدة صغيرة اسمها (الدوادمي)، وقبل السفر رحت أسأل عنها، فكانت شهادات المصريين الذين يعرفونها جيدًا كما يلي

الدوادمي صحراء مترامية.. خذ معك الكثير من الطعام؛ لأنك لن تجد ما تأكله لعدة أشهر.. الماء غير مأمون ويُحفظ في براميل صدئة.. عامة يجب أن تضع أرجل السرير ليلاً في أربعة أوعية مليئة بالماء لتجنب العقارب فهي كثيرة.. لا تفتح الباب مباشرة؛ لأن العواصف الرملية تقذف بالعقارب خلف الباب، ولأن الذئاب تجيد طرق الأبواب

واحد فقط قال لي إنها بلدة متحضرة وحديثة. ذهبت إلى هناك شاعرًا بما شعر به (روألد أمندسن) وهو يستكشف القطب الجنوبي، متأكدًا أنني لن أرى أسرتي ثانية، فكانت المفاجأة أن أرى بلدة نظيفة جميلة جدًا تذكّرك بالمعادي نوعًا، فيها عدة مطاعم ومتنزهات وأكثر من مركز تسوق ومستشفى كبير وأكثر من إنترنت كافيه. كان هذا أول درس أتلقاه عن أن الناس تتكلم ببراعة وإفراط، بالذات في الموضوعات التي لا تعرف عنها أي شيء على الإطلاق، ولسوف أموت وأنا أؤمن أن مقولة (من قال لا أدري فقد أفتى) من أروع ما سمعت في حياتي

كان (ديوجين) يفتش بالمصباح ليلاً عن رجل واحد أمين.. واضح أنه لم يجده. وها نحن أولاء نبحث عن رجل واحد أمين ينقل لنا الأشياء كما هي أو يعترف بأنه لا يعرف فلا نجده، وهنا تقابلنا مشكلة أخرى هي ازدهار الإعلام بحيث تجد المعلومات الخاطئة أو الزائفة فرصة نادرة للانتشار

الحقيقة هي أن الإعلام قد توحّش وصار كالمحيط الثائر الذي لا يمكن الإمساك به أو حبسه. هذه المقولة سوف تستفز كل من يؤمن بتدفق المعلومات. نحن اليوم نعيش ثورة إعلامية غير مسبوقة، سواء على مستوى الصحف، أو الفضائيات التي لا تهمد أبدًا، أو طوفان المعلومات القادم عبر شبكة الإنترنت. دعك من أن كل من يملك مدونة على الإنترنت صارت لديه جريدة خاصة يعلن فيها آراءه

والنتيجة؟ نحن بالفعل لم نعد واثقين من أي شيء على الإطلاق. في مقال نُشِر بالمصري اليوم يوم 5 أكتوبر يقول الإعلامي الكبير (حمدي قنديل) إن قصة القراصنة الصوماليين كلها أكذوبة.. القراصنة الحقيقيون هم مصريون قاموا بأسر بعض الصيادين الصوماليين الأبرياء. ويقول: "الواقع أن هذا التضليل قد تم عن عمد أو عن غفلة، ضمن خطة غربية للسيطرة على مداخل البحر الأحمر وبحر العرب واحتلال الصومال ذاته إثر انهيار الدولة وتفشي الفوضى وتقدم الحركات الإسلامية المسلحة........................ القراصنة إذن ليسوا هؤلاء الذين احتجزوا السفينتين المصريتين خمسة أشهر متواصلة منذ شهر مارس الماضي وعاد بهم بحارتنا مؤخراً، ولكن هم بحارة هاتين السفينتين الأربعون الذين استقبلناهم استقبال الأبطال وحشوا صفحات جرائدنا وساعات إرسال قنواتنا الفضائية بأكاذيب عن مغامرتهم............ فقد أصبح القراصنة المصريون أكثر القراصنة شهرة في مياه الدول الإفريقية، سواء تلك المطلة على بحر العرب والمحيط الهندي شرق القارة أو المطلة على البحر الأبيض شمالها"

هذا يعني ببساطة أن الزفة التي استقبلنا بها بحارتنا، وكل المانشيتات التي تقول (عملوها الدمايطة) وكل التهاني التي انهالت عليهم صدرت عن أشخاص مخدوعين

حمدي قنديل إعلامي كبير ويعرف ما يتكلم عنه، وهكذا يمكن معرفة الطرف الذي قال ما لا يعلم: الصحف التي هللت لانتصار الصيادين المصريين الجدعان طبعًا. فلنترك هذا الموضوع إذن ونتكلم عن حرب أكتوبر التي نحتفل بها هذه الأيام.. لقد نشأنا على أنها نصر عظيم حطم أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وفتح الباب لاسترداد سيناء، وهذا ما تعلمه جيلنا وانتهى الأمر. لكن الإعلام لن يتركك تعتقد هذا.. عشرات المقالات تؤكد أن خسائرنا أكبر بكثير من خسائر الإسرائيليين، والجيش الثالث كان محاصرًا تحت رحمة الإسرائيليين بالكامل، ولم نسترجع سوى شريط أرض ضيق، وسيناء عادت كاملة لكن لقوات حفظ السلام الدولية ولم تعد لنا

على كل حال هذا جدل طويل معقّد قد نقبله باعتبار أن من حق الناس أن تعرف كل شيء، ولكن لماذا لا تتكون لجنة مدققة تدرس كل شيء وتجري تحقيقًا، ثم تضع شهادتها النهائية بدلاً من أن يؤلف كل واحد في مصر كتابًا عن رأيه في الحرب؟

وماذا عن عبد الناصر؟ في أحد كتب (شهود العيان) يؤكد المؤلف أن عبد الناصر كان يقول وهو نائم قبل الثورة: "سوف أصير ملك مصر"، فمتى وكيف تمكن الشاهد من دخول غرفة نومه؟ ويؤكد كذلك: "من المعروف أن عبد الناصر هو من حرق القاهرة". لماذا ومتى صار هذا معروفـًا؟ حاولت تخيل عبد الناصر يحمل مشعلاً وجركن كيروسين ويجري في الشوارع فلم أفلح



أما عن السادات فالكلام عنه كثير.. هناك سادات متسرع ملول لا يدقق في قرارته، شيطاني يشرب الخمر (الفودكا بالذات؛ لأن رائحتها لا تعلق بالفم)، ويشاهد الأفلام الغربية قبل عرضها على الرقابة (غاوي مناظر كذلك)، ويفشي أسرار حرب أكتوبر لكيسنجر بينما القتال دائر، ويسلم كل شيء لبيجين... هذا السادات الذي اصطلح على أنه (سادات هيكل) وربما سادات الشاذلي ومحمد إبراهيم كامل كذلك، وهناك سادات آخر عبقري شديد التدين، ثعلب سياسي يتنبأ بكل شيء حتى انهيار الاتحاد السوفيتي الذي لم تتوقعه المخابرات المركزية نفسها، وهو الذي استعاد سيناء بينما عجز العرب كلهم عن استعادة ملليمتر واحد من أرضهم. هذا السادات اصطلح على تسميته (سادات موسى صبري) ولعله سادات إبراهيم سعدة كذلك

رفعت الجمال ضربة قوية وجهتها المخابرات المصرية لإسرائيل وهو بطلنا القومي.. (رفعت الجمال) ضربة قوية وجهتها المخابرات الإسرائيلية لمصر.. هيكل واحد ممن يعرفون ما يتكلمون عنه وهو يؤكد في ثقة أن مصر لم يكن لها أي جاسوس ذي أهمية في إسرائيل وقت حرب 1967، وكل ما قيل خيال روائيين، وجمعة الشوان يؤكد أنه كان متزوجًا من سعاد حسني، مما يدفعك للشك في بعض ما يحكيه من قصص

حتى الشهادة في أمور رآها حشد من الناس لا يمكنك فهم شيء منها: فتاة العتبة لم تُمس.. فتاة العتبة تم اغتصابها وسط الميدان وفي الزحام دون أن يتدخل أحد. المحاسب المتزوج رب الأسرة الذي قبض عليه وظهر على غلاف أكثر من جريدة مضروبًا ينزف الدم من أنفه وبثيابه الداخلية، أفرجت عنه المحكمة بعد هذا؛ لأنه لم يفعل شيئًا، ولأنها لم تفهم ما حدث بالضبط بسبب تضارب الروايات
خذ عندك كذلك مثال الـ.......................

هل تجاوزت 900 كلمة؟ يا نهار أسود! إذن أنا مضطر لأن أتوقف وللحديث بقية طبعًا إن شاء الله........................