قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Thursday, October 22, 2009

قصة هيام - الحلقة الرابعة - الأخيرة



spc



====================================


ولد (أحمد) في ليلة من شهر ديسمبر.. ليلة باردة انهمر المطر فيها مدرارًا، وكان طفلاً جميلاً بلا تشوهات... لكنها لم تكن سعيدة به. ثمة شيء خطأ... (رامي) كذلك لم يكن سعيدًا به برغم أنه أطلق عليه هذا الاسم ليكون (أحمد رامي) على اسم الشاعر الكبير. كان (رامي) يتصرف بنوع من اللهفة والقلق كأنه كان ينتظر لحظة بعينها وقد جاءت
 
لاحظت (هيام) أن ابنها صموت.. لا يبكي مثل الصبية ولا يعوي.. بل إنه يكون أكثر راحة في الظلام... هذا أثار رعبها بشكل خاص
لم يكن يلعب مع رفاقه.. بالواقع لم يكن له رفاق أصلاً
 
قال (عباس) ضاحكًا
ـ "لقد انتهت عقدة روز ماري وبدأت عقدة (النذير).. داميان.. الطفل الشيطاني.. ربما مسحة من (لعنة المذءوب) كذلك؛ حيث يلمس الرضيع ماء العِماد فيغلي، لأنه يحمل بذور داء الاستذئاب.. فقط أنت جعلت الجو عربيًا"

قلت له في وقار وهدوء
 "لن يحدث هذا.. صدقني..."

هنا اتسعت عيناه رعبًا.. وطوى الورق كأنه عصا غليظة ونهض صائحًا
ـ"لحظة!.. الرعب الموجه لوجهة خطأ!... هذا هو!... أنت حاولت أن تجعلني أشك في (رامي) والطفل منذ بداية القصة.. هل تعرف ما أفكر فيه؟... هناك كائن شيطاني واحد هو (هيام)!.. سوف ندرك هذا في النهاية وينقلب كل شيء"



قلت في برود وأنا أضع ساقًا على ساق
 "لو فعلت هذا لقلت إنني أكرر نفسي.."
 "إذن ما الذي سيحدث؟... ماذا؟"
 "أكمل القصة"

الآن (أحمد) الصغير في العاشرة
تجلس (هيام) في الشرفة ترمقه وهو يلعب في حديقة الفيلا.  للمرة الأولى تنظر لنفسها من الخارج وتدرك أنها سعيدة.. لا تعرف الظروف السحرية التي جعلتها تغير خطة حياتها وتتزوج بدلاً من التسلية على الخطّاب.. لا تعرف كيف وثقت بشخص لا تعرف عنه شيئًا؛ لكنها اليوم تعرف عنه الكثير
 
ظلت طيلة هذه الفترة تتوقع الشر، لكن لم يحدث شيء.. تنتظر في كل يوم مصيبته القادمة، لكن لا مصائب.. اليوم تدرك أنها أضاعت عشر سنوات ثمينة من حياتها بانتظار انهيار كل شيء، وانكشاف السر الرهيب الذي يخفيه زوجها.. لكن لا سر هناك
 
الحياة لم تكن بهذا السوء.. سوف يكبر الصغير وتشيخ هي، وسوف تذهب معه لرؤية فتاة أخرى تتسلى برفض الخُطّاب.. وستقول له معزية وهما ينزلان الدرج
"انسها.. صدقني.. الموضوع لا يستحق.."

لكنه لن ينسى بسهولة.. هكذا دورة الحياة الأبدية
 
وابتسمت ورشفت رشفة أخرى من عصير البرتقال الذي أعده لها زوجها
 
هتف (عباس) في بلاهة
"ماذا ؟... تمّ؟... لم يحدث شيء!!"

قلت وأنا أضع الأوراق في ملف
"ألم  تفهم؟... بلى، لم يحدث شيء..  هذه قصة عن فتاة اسمها (هيام) تزوجت وأنجبت طفلاً وعاشت حياة سعيدة... هذا كل شيء.."



احمر وجهه كالطماطم وقال
ـ "رامي ليس شيطانًا ولا عابد شيطان؟.. ابنها ليس ابن الشيطان؟.. البرتقال لم يحو منومًا؟.. الجولات الليلية لا سر وراءها؟.. الأسرة ليست أسرة شيطانية؟"

قلت في ثقة
ـ "لا تنكر أنني خيّبت كل توقعاتك ولم يحدث شيء مما خمنته.. هذا هو سر قوة هذه القصة.. أول مؤلف يكتب قصة لا يحدث فيها شيء على الإطلاق، وبالطبع لن يزعم أحد أنه قرأ القصة من قبل أو خمن ما سيحدث فيها.. وإنني لأشكرك على الشيك الدسم الذي كتبته كأجر لي"

راح يفكر بعض الوقت، ثم نهض ليقتادني إلى باب الخروج... هناك صافحني وهو يبتلع ريقه، وقال في ارتباك
ـ "سامحني.. إن الصدمة كانت قوية.. والنهاية غير متوقعة فعلاً.. آخر نهاية يمكن لإنسان أن يخمنها مهما حاول.. أعتقد أنني سأنشرها.. إن القصص التي لا يحدث فيها شيء على الإطلاق ليست بدعة.. يسمونها اللا رواية
Antiroman
  وهناك نماذج قوية لدى فوكنر وفورستر؛ لكن البداية كانت توحي بشيء مثير كما تعلم وحسبت أننا.. (احم).. إنني مرتبك ولا أعرف ما أقول"

وفتح فمه ليعبر أو يقول أكثر؛ لكني ابتسمت لأريحه
 
واستدرت منصرفًا وهو ما زال ينظر لي في بلاهة باحثًا عن شيء يقال
 
تمت