قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Monday, August 29, 2011

أسبوع صاخب



spc


ثلاثة..!.. يرحل هذا الأسبوع الطاغية الثالث فى قائمة الطغاة الذين ضيعوا أوطانهم ثم ضيعوا أنفسهم قبل أن يضيعهم أبناؤهم. التشبث بالسلطة وحلم التوريث الذى دشنه بشار الأسد والاعتقاد أن الشعوب جثث هامدة غبية.. كل هذا لم يكن مقامرة حكيمة. دعك بالطبع من التمثيلية السخيفة التى كان القذافى يلعبها هو وابنه، عندما ينتقد الابن طريقة أبيه فى الحكم ويحاول الإصلاح.. كأنهما ليسا نفس الشخص

أذكر ذلك السيرك الشعبى الذى دخلته فى المولد فى طفولتى، وكان مقدم العرض يقول: «الآن مع الساحر الليبى». ثم يغير من لهجته ليتكلم بلهجة يعتقد أنها ليبية ويقدم الفقرة التالية بذات الثياب وذات الوقفة. من العجيب أن القذافى وولده كانا يلعبان ذات لعبة الساحر الليبى هذه.. واحد يحكم وواحد ينتقد، على أن القذافى على الأقل كان ظريفا ورحيله خسارة أكيدة لفن الكوميديا

هل تذكر قيام القذافى بتسليم أسرار عسكرية نووية لا قيمة لها فى ذات الأسبوع الذى اعتقل فيه صدام حسين؟.. نوع من إثبات حسن النية -والجبن- لا داعى له. كأنه يقول بصوت عال: تعلمت الدرس من رأس الذئب الطائر يا مولاى.. مافيش معايا حشيش يا باشا والله العظيم

كنا نقرأ هذه الأخبار ونرى الرجل، فنتساءل: كيف يتحمل الشعب الليبى العظيم هذا كله؟.. الرجل يلغى الصيام على مزاجه، ويغير فى موعد عيد الفطر، ويبدد ثروات ليبيا كلها فى مغامرات عجيبة يعتقد أنها ثورية، ويعلن الحرب على سويسرا، لأن ابنه أهين هناك، ولا يكف عن إعلان نظرياته المخبولة.. كنت أتساءل: كيف يتحمل الليبيون هذا كله، ثم أتذكر أننا فى الهواء سواء ونحن فى مصر نتحمل هذا وألعن منه! إن الشعوب العربية تملك أغرب عينة من الحكام فى التاريخ، حتى إننا لنكون ثروة لو سمحنا للعالم المتحضر برحلات أسبوعية بتذاكر لرؤية هذه العاهات. لقد رأينا ما تحمله هذه الشعوب جميعا من حب لحكامها، وكيف هى على استعداد فى أى لحظة لتحطيم التماثيل وتمزيق الصور.. فلا يخدعن حاكم نفسه أو الغرب بصور الجماهير التى تهتف له، فعلى الأرجح يكون الواقع هو العكس بالضبط.. على أننى ما زلت أجد القذافى لغزا يهين معلوماتى الطبية، فهذه الشخصية المصابة بالبارانويا، وهذا الوجه المنتفخ عديم التعبير تماما كأنه قناع محشو بالقطن… لا شك أن هناك اسما لهذه المتلازمة، ولا شك أن البروفيسور فلانا لو رآه لوجد أنها حالة كلاسيكية من مرض مش عارف إيه كده.. بالنسبة لى لا أعرف سوى مرض باركنسون الذى يسبب هذا الوجه الشبيه بقناع، لكن باقى علاماته غير موجود. ربما كان يأخذ جرعة عالية من الكورتيزون لكن لأى سبب؟

دعونا من هذا الجدل الطبى ولنحمد الله على رحيل الثالث. لقد تم الالتحام الجغرافى لأراضى الثورات الثلاث. ندعو الله كذلك أن يحفظ هذه الثورة من الاضطراب والصراعات.. إنها ثورة مسلحة بالكامل وهناك خلفيات قبلية أعقد من أن نفهمها، لهذا يمكن أن تفلت الأمور بسهولة تامة. سوف نعرف سريعا هل كان القتال الدموى هو الحل الأمثل لنا أم لا.. هل سوف نحسد الثوار الليبيين أم يحسدوننا هم؟

الحدث الآخر المهم هذا الأسبوع هو ما حدث فى سيناء

هذا الحدث يقول لنا عدة أشياء:ـ

اتفاقية كامب ديفيد اتفاقية حمقاء ورطت مصر فى وضع لا تحسد عليه. يجب أن نفكر خارج الصندوق وأن نكف عن المسلمات المدرسية السخيفة الجديرة بكتب التربية القومية. سيناء لم تعد كاملة لينا إلا فى الأغانى، وكما يقول محمد إبراهيم كامل فى كتابه المهم (السلام الضائع فى كامب ديفيد)، فإن تعمير مدن القناة وسيناء مطلب إسرائيلى أصلا لتظل سيناء رهينة لدى إسرائيل. بعد هذا سيفكر أى حاكم مصرى مرارا فى خطورة الحرب. معناها تدمير هذه المدن والاستثمارات وجيش من المهاجرين يجب العثور على مأوى له. فى الوقت نفسه أنت عاجز عن حماية رقعة من الأرض تخصك، وهكذا تنتشر فيها الفوضى، بينما يقدر الإسرائيليون على أن يدخلوا ويخرجوا ويقتلوا من يشاؤون مع لفظة اعتذار عابرة (حتى هذه رأى باراك أنها كثيرة علينا)ـ

كان محمد إبراهيم كامل وزير خارجية السادات، وكان يرى أن المبادرة عمل ممتاز ذكى، حتى رأى كامب ديفيد وكيف تدور المفاوضات هناك، مما جعله يستقيل. لقد رأى أن السادات يتصرف باستعجال غير عادى وبلا تدقيق.. يرى الاقتراح فيوافق عليه بعد قراءة سريعة، بينما يقضى الإسرائيليون أياما فى قراءة هذه الفقرة وتلك الفقرة وتعديل تلك الكلمة.. يحب التعامل وحده بعيدا عن فريق الدبلوماسيين المصريين الرائعين الذين كان بينهم أسامة الباز وبطرس غالى، مما جعل كارتر يقول: السادات متساهل لكنه محاط بالصقور، بينما بيجين صقر محاط بالحمائم. كان السادات يتصرف وحده ويوقع الأوراق وحده دون أن يعرف أحد ما الذى يوقعه بالضبط.. والسبب أنه كان يعرف حجم تنازلاته التى لا يمكن أن يقبلها أحد، لكنه كان نافد الصبر يرغب بسرعة فى أن يجنى ثمار المبادرة (ويفرقع المؤتمر) كما قال. دعك من ضعفه الطبيعى أمام توسلات كارتر له. رئيس أكبر دولة فى العالم يتوسل له أن يقبل شروط بيجين المجحفة حتى لا تضيع منه الانتخابات. لدرجة أن محمد كامل قال للسادات: لعنة الله على كارتر وعلى أبيه.. نحن نضيع العالم العربى كله من أجل عيون كارتر.. وكتب فى موضع آخر: السادات فى حالة عصبية غير طبيعية. لا أثق به كى يتولى مسؤولية أسرة من أربعة أفراد فكيف أثق به وهو يتولى مسؤولية وطن كامل؟

فى النهاية تمت الاتفاقية التى حددت مصير مصر لمدة مئة عام.. وها نحن أولاء نجنى الثمار.. نجنيها على دماغنا ودماء جنودنا. ثم يأتى بعد هذا من يتكلم عن عبقرية السادات التى أعادت لنا سيناء، وبُعد نظره الذى سبق العرب بقرون.. لقد منح السادات إسرائيل أكثر من ثلاثين عاما من السلام تتطور فيها وتتقدم وترسخ نفسها اقتصاديا، وتفعل ما تريد دون رد.. وبالطبع لم يكن نظام مبارك سوى امتداد لنظام السادات. دعك من تدمير مصر من الداخل بلا توقف بحيث لا تقوم لها قائمة أبدا

ليس الحل الآن هو الحرب أو التورط فى مغامرة عسكرية، فالأمر لا يتعلق بخناقة فى المدبح نحشد لها العصى والسنج. نفس الخطأ الذى ارتكبه عبد الناصر عام 1967 عندما ترك لتيار الحماسة أن يجرفه وهو غير مستعد (لاحظ أن أغانى الستينيات التى تهدد الاستعمار عادت تتردد، وهذه علامة مقلقة!) فيما بعد كتب العظيم أحمد بهاء الدين أن حربنا مع إسرائيل حضارية بالدرجة الأولى.. ولا يمكن كسبها بالسلاح وحده. دعك من أن الدولة ما زالت مفككة ولم تستعد تماسكها بعد، فليس من الحكمة أن تفتح جبهة جديدة.. دولة يقوم جيشها بعمل الشرطة!.. سوف نهزم إسرائيل يوم ننفق على البحث العلمى قدر ما تنفق هى، ويوم تكون هناك ديمقراطية حقيقية، ويوم يكون هناك تعليم حقيقى، ويوم نزرع قمحنا ونصنع سلاحنا.. سنهزم إسرائيل يوم يكون لنا حاكم يؤمن بأنه خادم شعبه مثل نتنياهو وشارون وبيريز