قصاصات قابلة للحرق

Wednesday, June 17, 2015

عن الهراء العلمي



spc

كتبت كثيرًا عن غزارة الاختراعات والاكتشافات التي نسمع عنها في مجتمعنا كل يوم. علاج الإيدز بالكفتة مثال شهير، لكن هناك أمثلة لا تنتهي.. وكما يقول الساخر الجميل أسامة غريب في تويتاته:
"تلميذ بالإعدادية من كفر أبو لبن يخترع صاروخًا مضادًا للدروع من بقايا واحد شاي سكر برة".
و
"فريق بحثي يتمكن من تحويل رغيف كبدة إلي اتنين شاي بالنعناع سكر برة لعلاج الرمد".


هذا ليس مزاحًا تمامًا، بل هو وصف ساخر شبه دقيق لما تكتبه الصحف بلا توقف، وقد قرأت هذا الخبر مؤخرًا، تحت عنوان اكتشاف القرن:
"استطاعت طالبة من مطروح تبلغ من العمر 15 عامًا، بالصف الثالث الثانوي علمي علوم اختراع جهاز يمكنه تحويل غاز الميثان إلى جرافيت ومنه إلى ماس باستخدام خامات بدائية منها الهيدروجين.

أكد (....) موجه عام العلوم بتعليم (..)، أن الطالبة (....) بمدرسة (....) شرحت خطوات وكيفية عمل جهاز محاكاة، وهي تعتزم المضي قدمًا في اختراعها المذهل، حيث يعاونها أساتذة من كلية العلوم جامعة الأسكندرية والمنصورة.

وقال إن البحث الذي تقدمت به الطالبة من علوم الفيزياء الفلكية، ويشرح طريقة عمل الجهاز، واستعانت بأبحاث أخرى من وكالة ناسا وكلية العلوم، مؤكدًا أن الماس الذي سوف يستخرج أكثر صلابة من الماس الطبيعي، وذو 45 وجهًا، وأكثر جودة، ولايكلف مصاريف باهظة.

وأكد د (...) أن هذا الاختراع لا يثير الفضول فحسب بل إنه يحيى الآمال لدى الأجيال القادمة، ويؤكد وجود مواهب عبقرية".

ألا تشم رائحة سحرة العصور الوسطى الذين ضيعوا حياتهم من اجل تحويل الرصاص لذهب أو الحصول على حجر الفلاسفة؟

كالعادة مرت على هذا الخبر فترة لا بأس بها ولم نسمع عنه ثانية. غاز الميثان ينبعث من المستنقعات ويمكن الحصول على أطنان منه، وهذا يعني أننا سنتفوق على جنوب أفريقيا في تجارة الماس بعد أشهر. سوف نصير أغنى دولة في العالم.  وكالعادة لا بد أن يظهر شخص ذكي يقول: "وليه لأ؟... ليه ما نثقش بنفسنا؟". الثقة بالنفس شيء رائع ولكن بقواعد علمية ومنطق، وإلا فلماذا لا أكتب مقالًا عن ابنة جارتنا التي تطير إلى المريخ؟

طالبة أخرى قامت حسب الخبر بابتكار عبارة عن وقود جديد لسفينة الفضاء. يفسر الصحفي الخلفية العلمية للخبر قائلًا: "تعمل سفن الفضاء عن طريق التفاعل الكيميائي، ولذلك فإن سفينة الفضاء يجب أن تحمل بداخلها مفاعلًا نوويًا، (لتذويد) -هكذا في الخبر- السفينة بالوقود اللازم طوال الرحلة.

وعن الاختراع أشارت أن الجديد فيه هو استخدام طاقة أخرى وهي الطاقة الكونية أو طاقة نقطة الصفر، في توليد تيار كهربى في السفينة، ومن مميزات هذه الطاقة الجديدة أنها تقلل كميه النفايات الكونية، وستزيد من سرعة السفينة، هذا بالإضافة إلى أنها قليلة التكلفة وآمنة وسهلة، كما أنها تشكل مصدرًا مجانيًا للوقود وطاقة نظيفة لا تنتج أي نوع من التلوث البيئي.

وأضافت: من المعروف أن الطائرة تتحرك إلى الأمام عن طريق دفع الهواء للخلف، وكذلك السفينة تتحرك للأمام نتيجة دفع الماء للخلف، ولكن في الفضاء لا يوجد وسط يدفعه الصاروخ للخلف لينطلق إلى الأمام، ويبدو الفضاء خاليًا للجميع، ولكن عندما اكتشفت النظرية النسبية هدمت مفهوم الأثير، ومنذ هذا اليوم والفضاء فى فكرنا هو فضاء اسم على مسمى. وأوضحت (...)  أن الهدف من اختراعها هو كيفية استخراج قوة كازمير من الفضاء، واستغلالها فى توليد تيار كهربى لسفينة الفضاء"

هل فهمت شيئًا؟ هي شرحت قاعدة الفعل ورد الفعل، وقالت إن الفضاء فضاء، ثم قالت إنها تنوي استعمال الطاقة الكونية ولم تقل كيف.. ربما هناك بعض المنطق في كلامها ـ لكن لماذا لم نر وفود ناسا تهرع إلى مصر طلبًا لهذا الاختراع؟ في معظم هذه الحالات تكون القصة مجرد أحلام لدى شاب، ثم يتطوع عمو أو أونكل (حسين) الصحفي بالحماسة ويعد الشاب بأن يكتب عنه.

من ضمن متاهات الاختراعات الدائمة في مصر متاهة (المحرك ذاتي الحركة) وهو مبدأ فيزيائي مستحيل، لأن الطاقة لا تفنى ولا توجد من عدم، لكن كل المخترعين عبر التاريخ يعتقدون أنهم قادرون على ابتكاره.ولهذا تسمع عن اختراعات عجيبة مثل اختراع سيارة تمشي بالماء وتوليد كهرباء من ورقة شجر.. إلخ..

ليس الهراء احتكارًا مصريًا فعندما تطالع الصحف تجد دراسات عجيبة فعلًا. في مراهقتي قرأت أن شرب القهوة بإفراط يسبب سرطان البنكرياس وقد اعتبرتها حقيقة، ولربما كتبتها في امتحانات الجراحة.. لم أعرف مصدر المعلومة ولا كيف تم إثباتها. ظلت هذه حقيقة ثم قرأت منذ أيام أن العلماء (أي علماء؟)  وجدوا أن القهوة تمنع سرطان البنكرياس..! كيف عرفوا هذا؟

دراسة علمية حديثة  قالت إن الذين يبتسمون دائمًا، لهم أليلات قصيرة في الجين 5- HTTLPR مقارنة بالذين نادرًا ما يبتسمون. بعد تحليل عينات لعاب 336 شخصًا اشتركوا في  الدراسة، تبين أن الذين لهم أليلات قصيرة في الجين كانوا يضحكون أكثر وحسني المزاج. الكلام يبدو معقولًا ومعقدًا لدرجة تجعله حقيقيًا، لكن كيف تقيس كمية الابتسام؟ ما المقياس الذي تقول عنده أن فلانًا (كشر)؟

هناك بحث آخر يقول إن علماء هارفارد اكتشفوا سر سعادة الإنسان.. يا سلام!... ما قضى الفلاسفة والفنانون ورجال الدين حياتهم يحاولون تقديمه لنا، وجده علماء هارفارد... حيث تبين أنه من أجل الشعور بالسعادة من الضروري القيام برحلات سياحية، ليس بالضرورة أن تكون طويلة، كما ليس بالضروري أن تكون إلى أماكن بعيدة، بل يكفي القيام برحلتين في الشهر خلال أيام عطلة الأسبوع، تبين أن السفر هو الشرط الأساسي للشعور بالسعادة.  كيف تقيس السعادة وكيف تصمم دراسة كهذه؟ مجموعة لا تسافر ومجموعة تسافر ثم تسأل أفراد كل مجموعة: مبسوط يا برنس؟.. طيب قد إيه؟.. قد الدنيا؟  اكتب عندك يا ويليام..

كلام هلامي غريب لا يمكن الإمساك به..

هناك بحث عجيب -أقسم أنني قرأته منشورًا في جريدة- يقول إن رؤية المرء لثديين جميلين يوميًا تطيل العمر!.. واديني عقلك!.. أولًا كيف أجروا هذه الدراسة؟ وكيف عرفوا معدلات العمر؟ معنى هذا أن هناك تجربة بدأت من ثلاثين عامًا مثلاً تقوم بعرض صدر جميل على أفراد العينة يوميًا؟..  هناك مجموعة أخرى تعسة كانوا يعرضون عليها صور ناتانياهو مثلًا.. وبعد ثلاثين عامًا قاموا بإحصائيات معقدة لمقارنة من ماتوا من مشاهدي الصدر، مع من ماتوا من مشاهدي ناتانياهو. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ماذا تفعل النساء لإطالة عمرهن إذن؟

هل من جهة مولت هذا البحث؟ أين نشر؟ اعتقادي الخاص أن صحفيًا ما قام بتأليفه في جريدة إثارة ثم تناقله واحد بعد الآخر.. وهكذا تولد حقيقة أخرى من حقائق العلم الزائف!