قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Tuesday, November 22, 2016

معرض الموت - 1



spc

رسوم الفنان طارق عزام

لا يجب أن نخلط الوقائع ببعضها، فالمصادفات تحدث أحيانًا، ولا نريد أن نصل إلى استنتاجات غير ناضجة كما تعلم..

في الصباح عندما يدخل حارس المقبرة يجول بين شواهد القبور، في ذلك الجو البارد الذي يجتاح نيو إنجلند مؤخرًا، وقد بدأت طبقة الجليد الرقيقة تغطي الأرض. البخار يتصاعد من فمه وتلك الرجفة اللطيفة الخفيفة التي يعشقها.

لكنه رأى المشهد من بعيد .. رأى كيف يختلط الجليد مع الوحل الذي خرج من المقبرة. يهرع إلى هناك وتنزلق قدمه على الجليد الأملس ثم ينهض من جديد.

هذه مقبرة آل روبنسون وهي من المقابر الجميلة هنا، وقد اعتنت بها أسرة رؤوم لا تنسى موتاها. لكن الأمور لم تعد كما كانت.. يمكنك بسهولة أن تدرك أنه تم حفر المقبرة بعناية .. لماذا؟ كي يخرج أحدهم جثة بالطبع..

المقبرة خالية بالفعل، وقد كانت تخص امرأة اسمها (دوروثي سمارت) توفيت منذ أسبوع. من الغريب أن تتصور أن هناك من جاء ليلاً ومارس أعمال الحفر على ضوء كشاف واهن في هذا الصقيع .. كل هذا دون أن يشعر به أحد..

لماذا يسرق أحدهم جثة؟

حفر القبور وسرقة الجثث body snatching تراث (ثقافي) مهم لدى الغربيين، وبالذات لدى البريطانيين. المشهد الخالد لحفاري القبور الذين يعملون في الظلام على ضوء كشاف.. بالطبع لابد أن يكونوا ثملين. السبب الأول لشرب الخمر هو بشاعة المهمة وقذارتها .. السبب الثاني هو البرد الشديد الذي يحتاج لقطرات خمر في دمهم. في فترة من الفترات تحول الأمر إلى وباء، وبالطبع لم تكن تُسرق سوى قبور الفقراء. يعملون بعصا خشبية حتى لا تسبب الفئوس ضوضاء. تتم سرقة الجثة، والهدف في ذلك الوقت هو إشباع الحاجة التي لا ترتوي للجثث لدى طلبة الطب. كان علم التشريح يزداد أهمية في ذلك الوقت.  هناك قصة غريبة عن فتاة حسناء تمت سرقة جثتها في القرن التاسع عشر ليرسم الفنانون جثتها العارية، وقد ظلت الجثة تُستخدم كموديل لشهر كامل قبل أن تتحلل. هذه اللوحات موجودة حتى اليوم. وقد نصحت الصحف قراءها وقتها أن يؤجلوا دفن جثث أحبائهم إلى ما قبل التحلل حتى لا تكون ذات نفع لنابشي القبور.

في عصرنا هذا يختلف الأمر نوعًا .. سرقة القبور تتم ضمن طقوس دينية معينة، أو بغرض مثل التهام الموتى .. هناك جثث تم إخراجها من القبور في لندن، وغرست أوتاد في صدورها بدعوى أنها جثث مصاصي دماء.

دارت هذه الخواطر في ذهني وأنا أقف مع رجال الشرطة أراقب الموقف. بالفعل توجد آثار جر على الثلج، ويبدو أن هناك من حمل الجثة إلى سيارة تقف خارج المقبرة. على الأرجح لم يكن وحده..

هذه مصيبة لدى الكثيرين، وبالتأكيد عبء على رجال الشرطة وتهديد بالفشل، لكنه بالنسبة لي موضوع شائق بالغ الأهمية .. هل هناك خيط يمكن الإمساك به؟

***************

بعد يومين تم نبش مقبرة أخرى. هناك جسد تم جره وتركوا التابوت مفتوحًا ببطانته المخملية التي اكتست بطبقة ثلج رقيقة. كانت السناجب تتواثب فوق الأشجار التي تحيط بالقبر، عندما وقفت أنا والمفتش جارفيلد ندخن ونتكلم. هو يعرف كل شيء عن كتابي (نكروفيليا) ويعرف أنني ألاحق هذه الحوادث في كل مكان.

ما لا يعرفه المفتش هو أنني وجدت شيئًا احتفظت به لنفسي. كانوا يلتقطون الصور ويفتشون المكان، عندما وجدت تلك القصاصة الصغيرة جوار ممر الجليد. أدركت على الفور أنه رقم هاتف تمت كتابته على عجلة بخط رديء. يسهل استنتاج ما حدث. الذي حفر القبر لم يكن يلبس قفازين أولاً، ثم مد يده في جيب معطفه ليخرج القفاز، وسرعان ما طارت هذه القصاصة ..  دسستها في جيبي قبل أن يلاحظ أحد.

قال جارفيلد:
- «الصحافة لم تهتم بالحادث الأول، أما مع الحادث الثاني فلسوف نكون قطعة لحم تُرمى للكلاب. هم في حاجة ماسة لشيء يسودون به صفحاتهم، وقد وجدوه»

قلت وأنا أنفث الدخان:
- «ما زال من السهل أن تحكم مراقبة المقابر. ليس من السهل أن ينبش أحدهم مقبرة ويسرق جثة وينجو في كل مرة. لابد من أن يفتضح أمره .. يكفيك حارس ليلي في كل مقبرة»

- «أنا أعرف عملي»

ملت نحوه وسألته في لهفة:
- «هل تخفون عني شيئًا؟ .. أنا بصدد كتاب وليست مقالة في جريدة. أي إنني لن أذيع شيئًا»

ألقى بلفافة التبغ في الثلج لتصنع حفرة صغيرة وهي تغوص. ثم قال:
- «عد لبيتك يا ويليام ..  حتى لو عرفت شيئًا فهو مفيد للتحقيق ولن يذاع..»

ثم نظر في عيني وقال:
- «مهنتنا تعلمنا الشك .. كيف أضمن أنك لست من فعل هذا؟»

***************

قلت لجين وأنا أصب لنفسي كأسًا من المارتيني:
- «تصوري .. يقول إنه من الوارد أن أفعل هذا ..»

ضحكت جين حيث جلست تراقب التليفزيون، وقالت:
- «كل من يهتمون بالنكروفيليا هم في قائمة الاتهام»

قلت في عصبية:
- «لو كتبت عن جرائم القتل فلا يعني هذا أنني قاتل ..  لو كتبت كتابًا عن الأورام فلا يعني هذا أنني خلية سرطانية»

- «الرجل يؤدي عمله على كل حال»

- «أنت تعرفين يقينًا أنني لا أغادر البيت بعد العاشرة ليلاً أبدًا .. على الأقل مؤخرًا.  أمقت البرد وأحب عملي»

- «وتمقت الضيوف كذلك»

تركتها ورحت أفتش عن صاحب الرقم الذي وجدته فظهر لي اسم (ماكس برودسكي).. بحث سريع على شبكة الإنترنت أظهر أن ماكس برودسكي مصور..

ماكس برودسكي… يبدو لي الاسم مألوفًا….

ثم بدأت أتذكر…

ألبوم وقع في يدي منذ عامين، وكان لفنان تصوير يبدو أنه من أوروبا الشرقية .. معظم الألبوم كان يمثل موديلات حسناوات في ثياب هفهافة شفافة، وقد اتخذن أوضاعًا أقرب للموت .. بعضهن كن نائمات في توابيت، وبعضهن مالت رؤوسهن إلى جنب كأنهن مشنوقات. بعض الصور كانت تظهر جثة طافية فوق صفحة المياه على طريقة لوحة أوفيليا الشهيرة…

كان هذا الألبوم جنة لمن هم مولعون بالموت ..

فتشت في شبكة الإنترنت عن صفحة الفنان، فوجدته .. لم أعتد قط أن أشعر براحة تجاه الرجال الذين يطيلون شواربهم ليوصلوها باللحى.. تشعر بتأثير شيطاني معين في الوجه، وما يزيد الطين بلة أن يكون الرأس أصلع حتى يقترب في ملامحه من لافي صاحب كنيسة الشيطان.

هذا وجه مناسب جدًا … ومادة دسمة لكتابي لم أفطن لها من قبل.

الأهم هو أن تجد رقم هاتف هذا الرجل بالذات جوار قبر منبوش. لا أعتقد بالطبع أن الناس يمشون حاملين أرقام هواتفهم في جيوبهم، لكن من الوارد جدًا أن يكون من نبش القبر مرسلاً من ماكس، وكان يحمل الرقم في جيبه.

دخلت إلى مكتبي وأمسكت بالرقم وضغطت على مفاتيح الهاتف.

يُتبع