قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Tuesday, December 13, 2016

معرض الموت - 4



spc


للأسف لا يملك المرء قدرة الرواي العليم بكل شيء في القصص. لهذا لم أستطع وقتها أن أعرف باقي تفاصيل هذه القصة. كنت أعود لجين العزيزة فأكلمها عن برودسكي، ثم أتناول عشائي، وأمضي الليل في وضع فقرات جديدة من كتابي..

قالت لي جين في أسى:
- «لم تعد تهتم بي تقريبًا … لقد استحوذ الكتاب عليك»

قلت لها إنني أكره تلك اللحظة التي يقلن فيها كلهن نفس الشيء لأزواجهن. كل زوجة تتوقع أن يدور الزوج حولها حاملاً البخور، ثم يلثم قدميها ويقعي ككلب..

قالت لي إنها تحلم بأن تظفر بصحبة في هذا البيت الكئيب. لماذا لا ننجب؟ قلت لها إنني سأجلب لها صحبة بالتأكيد. الحق إن عاداتي تغيرت.. كنت لا أغادر البيت بعد العاشرة مساء أبدًا، فصرت أغادره كثيرًا..

الحقيقة أن برودسكي ومعرضه الغريب استحوذا على تفكيري فعلاً.

ما لم أعرفه هو أن جماعة (ريبيرث) كانت في حالة عارمة من الغضب والضيق. وأنت تعرف أنهم خطرون..

***************

بدأ كل شيء أمام ذلك القبر المنبوش في إحدى المقابر المجاورة. تلك الأماكن الكئيبة المكسوة بالجليد والشواهد التي يتدلى منها الثلج.

هناك وقف هؤلاء الأربعة ينظرون لقبر (آلان رادكليف) غير مصدقين. ثمة وغد ما قد جاء ليلاً ونبش المقبرة وسرق الجثمان. كانوا قد سمعوا عن جرائم مماثلة في الفترة الماضية لكن لم يجل بخاطر واحد منهم أن يحدث هذا لآلان..

قال مارك وهو يضم المعطف الأسود إلى جسده ويرتجف من البرد. كان فارع القامة له عينان وساعتان محاطتان بالسواد تذكرانك بعيني الراكون :
- «الأمر جد خطير .. فلنعد ونتكلم عندي»

وفي خفة عاد أربعة الرجال إلى السيارة، وانطلقوا قاصدين بيت مارك الذي حوله لدار عبادة خاصة بهم. إن حرية العبادة مكفولة عندنا في الولايات ويمكنك أن تؤكد أن دينك يحتاج لوجود تماسيح في دارك، ليسمح لك رجال الشرطة بذلك. لكن جماعة (ريبيرث) كانت تؤمن بالسرية وبأن دينهم ليس للتبشير. لا نريد أتباعًا.. دعني أعترف لك أن طقوس عبادتهم كانت وحشية أو شبه وثنية في لحظات بعينها. خليط عجيب من المانوية والبروتستانتية وعبادة الشيطان. خليط لا يخرج إلا من عقل مخبول. والمخبولون – كما تعلم – لهم تأثير قوي عبر التاريخ.. إنهم يجيدون خداع الناس دائما.

لكن عقيدتهم هذه كانت تقضي بأنهم يجب أن يخرجوا زعيمهم من القبر ويحنطوه ويحتفظوا به للأبد. مات آلان رادكليف زعيمهم ومؤسس الحركة بالسرطان منذ أيام، وقد هرعوا جميعًا لقبره وهم يحملون أدوات الحفر لإنقاذ دينهم. هنا اكتشفوا أن وغدًا ما سطا على المقبرة قبلهم.

كان هذا خطيرًا، ومعناه أن أرواحهم قد ضاعت للأبد. سوف يذهبون لهيدز مملكة الموتى الجحيمية ويتعذبون دون أمل في الخلاص.

هكذا اجتمعوا في دار مارك، وراحوا يلهثون من البرد. أعد لهم مارك بعض النبيذ الساخن الممزوج بقطرات الدم من أجل الدفء وظلوا يرمقون نيران المدفأة لنصف ساعة..

في النهاية قال مارك:
- «نحن في مأزق.. يجب أن نجد جثمان الأخ الأكبر رادكليف قبل أن يتحلل أو يتبدد»

- «وإلا هي هيدز»

كان عدد أتباع الجماعة أربعين ألفًا في الولايات.. لا يعرف هؤلاء الأربعون ألفًا أن أرواحهم مهددة. والمشكلة أن هؤلاء هم حراس قبره..

قال مارك :
- «لا يوجد حل سوى طلب عون الشياطين.. هي ستخبرنا بالسر»

- «لكن هذا مخيف»

- «وما نحن فيه مرعب»

تشتعل النيران في المدفأة بينما يضع مارك العباءة السوداء على كتفه. يلبسون جميعًا نوعًا من المسوح، وبالطبع يرسمون على الأرض النجمة الخماسية.. يطفئون الأنوار فلا توجد سوى شموع مشتعلة وضوء المدفأة..

يسكب مارك دم دجاجة ذبحها حالاً على النجمة. يلتفون حول جمجمة.. الخلاصة أنهم مارسوا الروتين القذر الذي يلجأ له السحرة في الاتصال ببهيموت. وراحوا يرقصون حول النجمة كالمجانين.

في النهاية تشابكت الأيدي، وبدا أنهم جميعًا يرون ذات الرؤيا في لحظة واحدة.

همس مارك من بين أسنانه:
- «أنتم ترون ما أراه.. أليس كذلك؟»

- «بلى»

- «قد تكلمت الشياطين»

- «اسمه ماكس برودسكي»

- «نرى وجهه. إنه يشبه لوسيفر نفسه»

- «يعيش في فيرمونت.. نرى داره وسط الثلوج»

- «نعرف أن أخانا هناك»

عندما انتهت الطقوس راحوا يلهثون وارتموا على الأرض في إعياء، لدرجة أن مارك راح ينزف من أنفه من فرط الضغط العصبي. كان العرق يغمر جبهته ويتوهج في النيران..

قال لهم:
- «سوف نذهب هناك ونأتي بأخينا.. أما من فعل هذا فليندمن أشد الندم»

عرفت هذا كله من الصحف فيما بعد.. لقد نشرت الجماعة مذكراتها مسلسلة لمدة شهرين كما تعلم.عدة صحف اشترت حق النشر.

عرفت كذلك أنهم حملوا ما يلزم من سلاح واختاروا سيارة ذات حقيبة كبيرة لتتسع للجثمان، ثم انطلقوا نحو البقعة التي رأوها في أحلامهم.

توقفت السيارة وسط الأشجار، ثم هتف مارك وهو يرفع قلنسوة السترة (أنوراك) لتغطي رأسه وأذنيه:
- «سوف نتحرك ياشباب.. معلوماتي أنه يعيش وحده»

هتف أحدهم وهو يشير لسيارة ليكساس تقف بعيدًا وسط الأشجار:
- «من هذا؟ هذه ليست سيارته.. يخيل لي أنه متلصص مثلنا»

- «لو كان ضيفًا فهو حظه العاثر.. سنجده في الداخل، وليكتشفن أنه الشخص الخطأ في المكان الخطأ..»

وفي بطء بدأ الرجال يتسلحون ويتأهبون للتحرك…

الليل يرخي ظلاله، وهذا سيجعل الأمور أسهل بالتأكيد..

لا تقلق أيها الأخ رادكليف. لن تمر الليلة إلا ومومياؤك في معبدنا.

يُتبع