قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Wednesday, October 27, 2010

مما سبق - الأمير فوق من ذكرت

لست أذكر المناسبة بالضبط، لأنني كنت مراهقًا في المدرسة الثانوية أجلس أمام جهاز التلفزيون، أتابع ما أذكر أنه حفل تكريم أو عيد للعلم .. شيء من هذا القبيل .. على المنصة يجلس الرئيس الراحل (أنور السادات)، واللحظة هي تكريم أحد أستاذته السابقين في المدرسة.. كان الرئيس الراحل يحب هذه المواقف لما فيها من مسحة درامية .. (هل تذكر الحطاب الفقير الذي آويته في دارك وأطعمته في تلك الليلة ؟.. لقد كان هو الخليفة متنكرًا ! .. وقد خلع عليك قصرًا وزكيبة من الذهب).. وقد سبق هذا تكريم مماثل لمن يدعى (سائق دمرو) الذي ساعد السادات في ظروف مماثلة..

المهم أن الأستاذ المسن الذي تصلبت شرايين مخه، والذي عاش عصور النفاق منذ أيام مولانا ولي النعم، اعتلى المنبر فقال بالحرف الواحد: "الله يقول: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب .. أما نحن فنقول: إن في خلق السادات والأرض .. كذا .."

أقسم بالله أن هذا قيل حرفيًا، وسوف أُسأل عنه يوم القيامة .. لقد أصابني الهلع من هذه الدرجة العبقرية المفزعة التي يمكن أن يبلغها النفاق .. والأغرب هو أن أحدًا لم يعترض، والرئيس المؤمن نفسه لم يهب لتصحيح كلمات الرجل ..

Tuesday, October 26, 2010

مما سبق - هوامش عن الحرب السادسة

-1- 
في اليوم التالي مباشرة لسقوط بغداد، وجدت عند بائع الصحف جريدة أسبوعية تتصدر صفحتها الأولى صورة عملاقة لوزير الإعلام العراقي (الصحاف)، وقد كتب تحتها: "الصحاف: رمز الصدق الإعلامي".. هذه الجريدة لم تعرف بما حدث أمس ولم تجد الوقت لتبدل عناوينها، ففي الأسابيع التالية تحول الصحاف إلى رمز الكذب والجعجعة الخطابية الفارغة وانضم اسمه إلى اسم (أحمد سعيد) في مصر، وصار فقرة للإضحاك في الكوميديات الفضائية .. والكاريكاتور المرفق رسمه الفنان الشاب شريف عرفة تعبيرًا عن الرأي العام السائد وقتها.

Monday, October 25, 2010

مما سبق - فما أنت يا مصر دار المضارب

عندما حدث انهيار البورصة في مصر وعدد من الدول العربية، رأينا ذلك المصري المسكين الذي يظهر دائمًا في النشرات .. يصرخ وقد مزق أزرار قميصه ليقف عاري الجذع ، وهو أداء مصري كلاسيكي للتعبير عن الجزع والإفلاس وإنه لا يبالي بشيء بعد الآن .. وذلك الذي سقط على الأرض والناس يرشون الماء على وجهه .. نفس الرجل – بعينه – رأيته يصرخ أمام شركة توظيف الأموال المغلقة، ورأيته يصرخ أمام مسرح بني سويف، ورأيته يصرخ بعد زلزال أكتوبر المشئوم، ورأيته يصرخ وهو ينتظر جثة قريبه الغارق مع العبارة أو المحترق في قطار الصعيد .. إنه المصري الأبدي الذي خدعوه وباعوا دمه وكليته وأطعموه الفراخ الفاسدة والزيتون بالورنيش .. المصري الذي جعلوه يعبد آمون ثم استبدلوا به آتون ثم أعادوا آمون ثم أقنعوه أن بونابرت مسلم صادق الإيمان ..
لكني – في هذه المرة بالذات – لم أكن قادرًا على التعاطف معه، بينما بكيت معه في مواقف أخرى. أنت دخلت سوقًا خطرة غير مستقرة يا صاحبي، وقد أغرتك المكاسب الفاحشة التي جناها الناس في أول فبراير بلا أدنى جهد ..سمعت قصة السيدة التي ربحت مليونًا في يومين.. لقد قامرت وعليك أن تتحمل نتائج المقامرة، فلا تحاول إقناعي أنك من ضحايا العبارة أو قطار الصعيد من فضلك .. 

ربما تلاعبت بك الحكومة من أجل بعض الحيتان الكبار .. وما الجديد في هذا ؟.. هل هناك استقرار حقيقي في مصر يسمح بالمخاطرة ؟ 

Sunday, October 24, 2010

مما سبق - المطففون

كنت أموت من الظمأ في ذلك اليوم الحار، ولما كنت بطبعي غير مولع بالمياه الغازية، فقد اتجهت إلى محل لعصير القصب .. حبي الأول الذي أشعر بدهشة لكونه لم يغز العالم بعد، هناك صب لي البائع كوبًا كبيرًا حملته متلمظًا إلى شفتي، لأجد أنه عديم الرائحة والطعم.. فقط له لون كريه يذكرك بحساء القلقاس... 

أصابتني الحيرة .. كم يبلغ هامش الربح في كوب من عصير القصب ؟.. بالتأكيد هو لا يقل عن 80% .. وبالتالي حصل البائع على أربعين من الخمسين قرشًا التي هي ثمن الكوب، فماذا يريد ؟.. ولماذا يجب أن يغش العصير بخلطه بالماء البارد ؟.. لماذا لا يقدم لي سلعة جيدة ويكتفي بأربعين قرشًا بدلاً من ثمانية وأربعين ؟

قلت للرجل غاضبًا إنني لن أتعامل معه مرة أخرى، فهز رأسه في مزيج من الاعتذار الساخر واللامبالاة .. ماذا يخسره لو فقد زبونًا وماذا يكسبه إذا احتفظ به ؟

المهم بالنسبة له أنه أخذ مني هذه المرة وانتهى الأمر، ومحدش حينام جعان .. غدًا يأتي سواي .. هكذا تحول الإيمان بالرزق إلى مبرر للخداع بلا توقف... 

الحقيقة أن فلسفة هذا الموقف تنطبق على كل شيء في حياتنا بدءًا بكوب عصير قصب وانتهاء بسيارة فاخرة أو فيلا في الساحل الشمالي 
***

Saturday, October 23, 2010

تعليمات دقيقة



اعتدت أن أندهش جدًا من الناس الذين يبتاعون جهازًا جديدًا، فيتكاسلون عن مطالعة الكتيب المرفق معه. هذا الكتيب يحوي دائمًا معلومات مهمة جدًا أو إمكانات للجهاز لم تخطر ببالك. عندما تستعمل هذه الإمكانات يبدي الناس انبهارًا بعبقريتك، برغم أن الأمر لم يكن ليكلفهم أكثر من نصف دقيقة يطالعون فيه الكتيب مثلك. لكن الدرس الذي تعلمته بعد كل هذه السنين هو أن الناس مهما بلغت درجة ثقافتهم وتعليمهم يحملون هم القراءة.. يرى الرجل الكتيب جاثمًا ينتظره ككابوس فيفرك عينيه في إرهاق، ويناوله لأي واحد جواره قائلًا:
«هلا قرأت هذا لي؟ نسيت نظارتي / وقتي لا يسمح.. الخ»

أقول إن قراءة التعليمات كانت دأبي وهوايتي، إلى أن جاء هذا العصر السعيد الذي صار فيه كل شيء صينيًا.

Friday, October 22, 2010

مما سبق - صدام لم يقبض

لا شيء يثير غيظي مثل مداخلات المشاهدين على الهواء؛ تلك التي تلوث برامج الفضائيات خاصة الإخبارية منها.. عندما يكون ضيف الحلقة في وزن حسن نصر الله أو فهمي هويدي أو سيد القمني أو المدير السابق للمخابرات المركزية في الشرق الأوسط، تكتشف أن هناك شخصًا في مكان ما يملك الشجاعة العبقرية الكافية ليرفع سماعة الهاتف ويعطل تدفق المعلومات المهم لمدة خمس دقائق، فقط كي يعبر عن آرائه في الحياة .. وهو أصلاً لا يملك أية موهبة إلا امتلاكه لخط دولي .. لكنه يتكلم بلهجة المرشد الذي يهدي هذه الخراف الضالة إلى الصواب: "أنا عجبني الأستاذ فهمي لما قال كيت وكيت وما عجبني لما قال كذا وكذا.."... إنها كلمة الحجا أخيرًا بعد ما كثر الدهماء .. وتشعر طيلة الوقت أنه من الذين يهوون سماع صوتهم وربما العبث في أصابع أقدامهم كذلك.. 

Thursday, October 21, 2010

مما سبق - أعرف جيدا

أعرف‏ ‏جيدا‏ ‏أنه‏ ‏أشعل‏ ‏لفافة‏ ‏تبغ‏ ‏وراح‏ ‏ينظر‏ ‏لليل‏ ‏الصامت‏ ‏خارج‏ ‏الشرفة‏..‏
أعرف‏ ‏أن‏ ‏ملايين‏ ‏الخواطر‏ ‏تزاحمت‏ ‏في‏ ‏ذهنه‏ ‏وهو‏ ‏يتأمل‏ ‏لفافة‏ ‏التبغ‏.. ‏الطرف‏ ‏الذي‏ ‏يتوهج‏ ‏ثم‏ ‏يخبو‏.. ‏يتوهج‏ ‏ثم‏ ‏يخبو‏.. ‏هذا‏ ‏تأثير‏ ‏قريب‏ ‏من‏ ‏التنويم‏ ‏المغناطيسي‏..‏
علي‏ ‏الأرجح‏ ‏عاد‏ إلى الغرفة‏ ‏هنا‏.. ‏أعرف‏ ‏أنه‏ ‏جلس‏ إلى مكتبه‏ ‏وفتح‏ ‏الدرج‏.. ‏بحث‏ ‏في‏ ‏مجموعة‏ ‏الأوراق‏ ‏حتي‏ ‏وجد‏ ‏واحدة‏ ‏لم‏ ‏يخط‏ ‏عليها‏..‏أعرف‏ ‏أنه‏ ‏بحث‏ ‏بين‏ ‏الأقلام‏ ‏عن‏ ‏واحد‏ ‏يصلح‏.. ‏هذا‏ ‏جف‏ ‏حبره‏. ‏هذا‏ ‏تقيأ‏ ‏حبره‏.. ‏هذا‏ ‏مكسور‏.. ‏أخيرا‏ ‏وجد‏ ‏واحدا‏ ‏وخط‏ ‏علي‏ ‏الورقة‏ ‏أول‏ ‏خط‏..‏
لابد‏ ‏أنه‏ ‏توقف‏ ‏هنا‏.. ‏لابد‏ ‏أنه‏ ‏نظر‏ ‏للشرفة‏.. ‏وجد‏ ‏أنه‏ ‏من‏ ‏السخف‏ ‏أن‏ ‏يكتب‏ ‏كل‏ ‏شيء‏, ‏والرسالة‏ ‏المعتادة‏ ‏بدت‏ ‏له‏ ‏سخيفة‏ ‏مبتذلة‏..‏
لهذا‏ ‏كوّم‏ ‏الورقة‏ ‏وألقاها‏ ‏علي‏ ‏الأرض‏..‏
أعرف‏ ‏أنه‏ ‏أخرج‏ ‏ألبوم‏ ‏الصور‏ ‏وراح‏ ‏يقلب‏ ‏الصفحات‏.. ‏صورته‏ ‏وهو‏ ‏طفل‏ ‏سعيد‏ ‏غافل‏, ‏كل‏ ‏مشكلته‏ ‏في‏ ‏الحياة‏ ‏أن‏ ‏أباه‏ ‏لم‏ ‏يبتع‏ ‏له‏ ‏الآيس‏ ‏كريم‏ ‏الذي‏ ‏كان‏ ‏يتوق‏ ‏له‏. ‏صورته‏ ‏في‏ ‏سن‏ ‏المراهقة‏ ‏مع‏ ‏أصدقائه‏ ‏إلى‏ ‏جوار‏ ‏سور‏ ‏المدرسة‏.. ‏صورته‏ ‏وهو‏ ‏شاب‏ ‏في‏ ‏الجامعة‏.. ‏صورته‏ ‏مع ‏هالة‏.. ‏صورته‏ ‏معي‏ ‏وهو‏ ‏يناقش‏ ‏رسالة‏ ‏الماجستير‏ ‏عن‏ ‏إرهاصات‏ ‏الواقعية‏ ‏في‏ ‏المدرسة‏ ‏الرومانسية‏..‏
أعرف‏ ‏أنه‏ ‏أشعل‏ ‏لفافة‏ ‏تبغ‏ ‏أخرى‏.. ‏لا‏ ‏يوجد‏ ‏وقت‏ ‏كاف‏ ‏للإصابة‏ ‏بسرطان‏ ‏الرئة‏. ‏لابد‏ ‏أنه‏ ‏راح‏ ‏يتأمل‏ ‏حلقات‏ ‏الدخان‏ ‏المتصاعدة‏.. ‏لابد‏ ‏أنه‏ ‏تذكر‏ ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يستطع‏ ‏قط‏ ‏إخراج‏ ‏حلقات‏ ‏دخان‏ ‏من‏ ‏فمه‏ ‏مهما‏ ‏حاول‏.. ‏لابد‏ ‏أنه‏ ‏ابتسم‏ ‏للفكرة‏..‏
أعرف‏ ‏أنه‏ ‏أنهى‏ ‏اللفافة‏ ‏فدفنها‏ ‏في‏ ‏قدح‏ ‏القهوة‏.. ‏ما‏ ‏تبقى‏ ‏منها‏..‏
أعرف‏ ‏أنه‏ ‏فتح‏ ‏الدرج‏ ‏من‏ ‏جديد‏ ‏وأخرج‏ ‏المسدس‏, ‏وتحسسه‏ ‏بأنامله‏. ‏منظر‏ ‏الرجل‏ ‏الجالس‏ الى المكتب‏ ‏ومسدس‏ ‏في‏ ‏يده‏ ‏يذكره‏ ‏بصورة‏ ‏مدير‏ ‏المصرف‏ ‏الذي‏ ‏أفلس‏ ‏بسبب‏ ‏الاختلاس‏ ‏أو‏ ‏المقامر‏ ‏الذي‏ ‏خسر‏ ‏كل‏ ‏شيء‏, ‏كما‏ ‏نراهما‏ ‏في‏ ‏القصص‏ ‏الغربية‏.. ‏لابد‏ ‏أنه‏ ‏ابتسم‏ ‏للفكرة‏ ‏مرة‏ ‏أخرى‏..‏
أعرف‏ ‏يقينا‏ ‏أنه‏ ‏ألصق‏ ‏الفوهة‏ ‏بصدغه‏ ‏وأنه‏ ‏شعر‏ ‏بالمعدن‏ ‏البارد‏ ‏القاسي‏ ‏هناك‏ ‏يضغط‏ ‏علي‏ ‏شريانه‏.. ‏أعرف‏ ‏أنه‏ ‏تحسس‏ ‏الزناد‏.. ‏أنه‏ ‏أغمض‏ ‏عينه‏.. ‏أنه‏ ‏ضغط‏ ‏الزناد‏ ‏القاسي‏..‏
*******