قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Saturday, October 23, 2010

تعليمات دقيقة



اعتدت أن أندهش جدًا من الناس الذين يبتاعون جهازًا جديدًا، فيتكاسلون عن مطالعة الكتيب المرفق معه. هذا الكتيب يحوي دائمًا معلومات مهمة جدًا أو إمكانات للجهاز لم تخطر ببالك. عندما تستعمل هذه الإمكانات يبدي الناس انبهارًا بعبقريتك، برغم أن الأمر لم يكن ليكلفهم أكثر من نصف دقيقة يطالعون فيه الكتيب مثلك. لكن الدرس الذي تعلمته بعد كل هذه السنين هو أن الناس مهما بلغت درجة ثقافتهم وتعليمهم يحملون هم القراءة.. يرى الرجل الكتيب جاثمًا ينتظره ككابوس فيفرك عينيه في إرهاق، ويناوله لأي واحد جواره قائلًا:
«هلا قرأت هذا لي؟ نسيت نظارتي / وقتي لا يسمح.. الخ»

أقول إن قراءة التعليمات كانت دأبي وهوايتي، إلى أن جاء هذا العصر السعيد الذي صار فيه كل شيء صينيًا.

كل احترامي للصناعة الصينية وللشعب الصيني النشيط كالنحلة، لكني لا أحمل أي احترام للغتهم الإنجليزية أو العربية أو الكتيبات التي يطبعونها مع الأجهزة.. اللغة مفككة مليئة بالأخطاء ولا تعرف عن أي شيء تتكلم التعليمات بالضبط.

تعال معي نفتح هذه العلبة التي تحوي جهازًا إلكترونيًا معقدًا. أولًا هناك احتمال 70% ألا يكون الكتيب خاصًا بالجهاز ذاته بل بموديل آخر منه.. سوف تجد الكتيب يتكلم عن مقبض لا تجده وزر أحمر لا تراه.

احتمال آخر أن يكون هناك كتيب لكنه بالصينية.. لغة الماندارين بالذات.. لربما صار الأمر أسهل لو كان بلغة الكانتونيز. ومن الممكن ألا تجد في الكتيب أي شيء سوى صورة رديئة جدًا للجهاز. لا توجد كلمة واحدة عن تشغيله.

أما لو تجاوزت هذين الاحتمالين فهناك خطر أن تقرأ التعليمات:
«ابحث عن سلك (أ) مواز أحمر قطبية. يوصل سلك (ب) مواز أخضر. توصيل قاعدة (هـ)»
تنظر إلى الرسم سيئ الطباعة فترى عجينة سوداء اللون تدخلها عدة أسهم كتب عليها (أ) و(ب) و(هـ).. مستحيل أن تعرف أي شيء.. دعك من أن الأسلاك غير ملونة أصلًا في الجهاز الأصلي.

يواصل الأخ (هن تشو واو) إرشادك:
«ضع على قاعدة مستوية. تأكد تهوية على جزء (و). قم بتوصيل سلك (د) ثم استعمل مروحة (ص) تهوية. خطر احتراق وموت. ضع فيشة.. استمتع»
إذن هناك خطر احتراق وموت.. علي أن أجد المروحة (ص).. لا وجود لها.. هل نسوا أن يضعوها؟ هل تعيد تعبئة الجهاز وتعيده للبائع؟

يقول الكتيب:
«اقرأ تعليمات في صفحة 13 مهم. خطر موت. استمتع»
تذهب لصفحة 13 لتكتشف أنه لا توجد صفحة 13.. الكتيب عشر صفحات فقط.. وفجأة تكتشف أن هناك جزءًا بالإنجليزية.. جميل جدًا.

 ربما كانت إنجليزية الصينيين أفضل من عربيتهم.. إن طريقة كلام الآسيويين على غرار (الحين فيه مشكل كبير صديك) لا تصلح بالتأكيد لكتابة تعليمات استعمال الأجهزة. لكنك تكتشف أن الإنجليزية أسوأ وأن الضمائر كارثة:
«خذ السلك (ب) وضعهم في فتحته. هم أفضل في هذا الأوضاع. لف سلك مسمارها (مسمار ماذا؟ مسار السلك أم هناك شيء مؤنث ظهر من دون أن تعرف؟). استمتع»

الآن جاء الليل وأنت جالس على الأرض وسط عشرات الأسلاك وقطع البلاستيك. عيناك حمراوان وقد نام البيت كله وأنت مصمم على فهم هذا اللغز. لو عجزت عن تركيب هذا الجهاز فأنت لا تصلح زوجًا ولا أبًا.. لقد صارت مسألة كرامة.

في الرابعة صباحًا يخطر لك لأول مرة أن تلقي نظرة على العلبة الخارجية البراقة للجهاز. هنا ترى على الغلاف صورة جميلة لفرن ميكروويف امتلأ باللحم المشوي. الجهاز الذي اشتريته هو مروحة كهربية. إذن هناك كتيب تعليمات خطأ في علبة خطأ لجهاز خطأ، وأنت قضيت الليل كله تحاول أن تحول فرن ميكروويف لمروحة.

لا بأس.. لربما كان جهاز الميكروويف مفيدًا في البيت.. هكذا تحاول البدء من جديد بمفهوم طازج للأمور. وفي الصباح تبدي زوجتك انبهارها وشكرها لك لأنك ابتعت لها مفرمة بصل ذات ثلاث سرعات.

كما قلت لك، أنا أحمل كل تقدير للصينيين، لكنهم نجحوا في شفائي من عادة قراءة تعليمات التشغيل للأبد!