قصاصات قابلة للحرق

Monday, May 13, 2013

ذكريات مدرسة الإصلاح



spc


مدرستى الابتدائية التى نشأت فيها شهيرة جدًا فى طنطا، ولعلها فى ذلك الوقت كانت الأفضل. حتى أعوام قريبة كان بوسعك أن ترى عند المدخل لوحة للفنان بيكار تمثل جنديًا مصريًا يهدئ من خاطر طفلة فلسطينية دامعة تقف جوار السلك الشائك، ويقول لها: "اذهبى لعودة"... أفخر أننى كنت أقف مع الأستاذ فؤاد مدرس الرسم الفنان العصبى وهو يضيف لهذه اللوحة لمساته الأخيرة.. وسمح لى بلمسة أو اثنتين لأننى كنت موهوبًا فى الرسم.. أذكر رائحة غرفة الرسم.. رائحة نشارة الخشب ورائحة الطلاء الطازج فى العلب المفتوحة.. رائحة الغراء.. رائحة الحياة فى سن العاشرة. فيما بعد انتزع أحدهم تلك اللوحة الجميلة، ونسى الجميع أن الفتاة لم تعد بعد برغم الوعد الذى قدمه الجندى المصرى لها منذ عام 1971 !.. لماذا تذكرت هذا الآن؟

كان هشام هو (الألفا) فى فصلنا.. هذا منصب قيادى يشبه الرئيس. إنه مسؤول عن كل شيء وهو يتقدم صفوفنا فى أى طابور، كما أنه مكلف بأن يراقبنا عندما تنصرف المعلمة وتترك الصف.. هنا يكون عليه أن يقف أمام لوح الكتابة ويدون عليه بالطبشور أسماء الأوغاد الذين يتكلمون. هؤلاء سوف يتم إعدامهم عندما تعود المعلمة. هو كذلك يراقب كراساتنا ويتأكد من أننا أنجزنا الواجبات، وبالطبع لم يكن أحد يتفقد كراساته هو. ساعد هشام على ذلك أنه ضخم الحجم وأن أمه (أبلة هدى) معلمة فى ذات المدرسة. لكن – بصراحة – لم يكن أكثر الناس أمانة فى تعامله معنا.. كان يصفح عمن يرضى عنه وعن حسناوات الصف، بينما يضطهد من ليس من شلته وأنا طبعًا لست منهم.. ومع الوقت تكون لوبى خاص من أصحاب الصفوة أصدقاء هشام

انتظرنى هشام ذات يوم بعد ساعات الدراسة ووجه لى عدة لكمات لم أستطع منعها.. سقطت على التراب فى الفناء، فراح يتسلى بأن يدس وجهى فيه، وأسوأ ما فى الأمر أنه لم يفعل هذا لسبب واضح.. كان يستعرض قوته الغاشمة لا أكثر مصداقًا لعبارة محمد عفيفى العبقرية:ـ
"لماذا تضربني؟"
"لأننى أقوى منك"

لابد أنه كان يوم أربعاء أو خميس.. لا أذكر بالضبط.. فى هذا اليوم اجتمعنا نحن الصبية وحاصرنا (هشام) فى ركن الفناء عند الحمامات. كان غاضبًا هائجًا كنمر مسعور ولم يصدق أننا – الفئران – نتحداه هو، والأسوأ أن ميدو كان فى صفنا.. ميدو الفتى القوى.. الوحيد الذى يمكنه أن يصمد أمام هشام... وكان هشام يفترض أنه من الطبيعى ان يكون ميدو فى صفه ليكونا معًا (نادى الأقوياء). لكن ميدو اختار صفنا ولقن الصبى علقة لا بأس بها.. جعله يركع على الأرض وجعل كل واحد فينا يوجه ضربته.. هيا يا خالد. هات ما عندك.. هيا يا ياسر.. هات ما عندك

يوم السبت جاء هشام دامع العينين متورم الوجه إلى المدرسة وكان أول ما طلبه هو أن يتنازل عن موقعه ك (ألفا) الفصل.. لم يعد يستطيع القيام بهذا الدور بعد الآن

"إذن من يقوم بهذا الدور؟"

كان الاختيار بديهيًا.. ميدو سوف يصير الألفا

لقد بدأ عهد جديد.. أنا سعيد.. لن يضربنى أحد مرة أخرى، لكنى بحاجة إلى القصاص لما نالنى على يد هشام.. ذهبت إلى أبلة هدى وبكل ثقة وبراءة طلبت منها أن تعاقب هشام ابنها... لقد ضربنى بلا سبب ومرغ وجهى فى التراب. بدا لى منطقيًا أن تضرب ابنها.. لابد أن تبرهن لنا على أنها ليست منحازة. بدت مهتمة جدًا وأدهشها أن (هيشو) الوديع المهذب يمكن أن يعمل عملاً قذرًا كهذا.. مش معقول.. ثم وعدت بأنها ستتحقق وتكسر دماغه لو كان مخطئًا

قالوا لى إنه من المستحيل أن تعاقب ابنها، لكنى كنت واثقًا من عدالتها

ترى لماذا تذكرت هذا الآن ؟

صار ميدو هو المشرف على الفصل.. والحقيقة أنه كان سيئًا.. كنا نشعر نحوه بامتنان شديد لدوره فى قهر هشام، لكننا أدركنا أنه يفتقر للكفاءة اللازمة.. وجاء الوقت الذى طلبنا منه فيه أن يترك (الألفا) واخترنا تلميذًا جديدًا اسمه وائل

حاول وائل أن يكون (ألفا) مناسبًا لكن التمرد عليه كان قويًا... هناك تلاميذ كثيرون لم يختاروه، وكانوا يرون أن له شلة خاصة يدللها ويصطفى أفرادها... ومن جديد بدأت الهمهمة.. طلبوا من معلمة الصف أن تستبعد (وائل) لكنها صاحت فيهم :ـ
"مستحيل أن أغير (الألفا) كل بضعة أيام.. هذه فوضى لا أقبل بها"

عدد كبير منهم راح يقنع ميدو أنه هو الأفضل وعليه أن يضرب (وائل) ويرغمه على ترك قيادة الفصل.. كان ميدو مصرًا على ألا يعود.. لقد جرب وكانت تجربة مريرة.. قلت لهم فى دهشة: "ألم تكونوا أنتم من يشكو من زمن ميدو وقلة كفاءته؟.. ألم تطالبوا برحيله طيلة الوقت؟"ـ

لكنهم قالوا إن من يجرب (وائل) لابد أن يحن لأيام ميدو وربما أيام هشام

ترى لماذا أستعيد هذه الذكرى الآن؟

فى هذا الوقت كنت أقصد الأبلة هدى لأسألها عما فعلته بصدد شكواى.. لم تفعل شيئًا بتاتًا.. قالت لي:ـ
"لم ير أحد (هيشو) وهو يضربك.. لا يوجد أى دليل سوى كلامك وقد تكون كذابًا"

ثم لوحت بالعصا فى وجهى واحتقن وجهها:ـ
"لو ثبت لى أنك كذاب فلسوف أسلخك !.. هل فهمت؟"

كيف أثبت أن (هشام) كذاب؟.. كيف أثبت أننى ضحية؟ لا يوجد لدى شهود

وفطنت فى ذعر إلى أن السنة الدراسية انتهت تقريبًا دون أن أتمكن من عقاب هشام.. أبلة هدى برعت فى تطويل الأمر وتمييع التهمة لأن هذا ابنها.. أم هى صادقة لكنها فعلاً تريد دليلاً؟ ومن أين آتى بدليل؟ هل أحرص بعد هذا على أن آتى بكاميرا تصورنى كلما أراد أحدهم أن يضربني؟

جاء يوم دخلت فيه الصف فوجدت أن الواقف أمام لوح الكتابة هو (هشام) !. وجدت اسمى على اللوح باعتبارى أول تلميذ سيُعاقب فى الصف.. جلست لاهثًا جوار صديق لى وسألته:ـ
"ماذا أتى بهذا الوغد هنا؟"

قال لى إن أمه – أبلة هدى - جاءت به للصف وطلبت من المعلمة أن تعيده ليكون (ألفا).. وكان هناك عدد لا باس به من الطلبة رحبوا به لمجرد الخلاص من وائل.. قال كذلك إن المعلمة سوف تعاقبنى بشدة بعد الحصة لأننى افتريت على هشام، ولأننى جرؤت على ضربه يومًا ما عندما كبله ميدو

أما ما حدث بعد هذا فلا أذكره لأنها حكايات تعود إلى سبعينيات القرن الماضى... لماذا تذكرتها الآن؟... لا أعرف بصراحة.. أرجو أن تسامحني وتسامح تصلب شراييني