قصاصات قابلة للحرق

Thursday, January 14, 2016

وقائع اختفائي الغامض !



spc
مجلة الشباب
بعد أسبوعين من الذهاب إلى المدرسة في الصف الأول الابتدائي، قررت أنه لم يعد في قوس الصبر منزع وأن السيل قد بلغ الزبى وأي تعبير آخر يروق لك. لقد كرهت المدرسة كالجحيم وصممت على أن هذه نهاية قصتي مع التعليم.  لكن ماذا أفعل بالضبط؟

كنت أذهب إلى المدرسة صباحًا ، فكنت أنادي ابن البواب الصعيدي (سباعي)، وهو شاب وسيم نشيط في الثامنة عشرة من عمره، يبرز لي من داخل الغرفة ويلف التلفيعة حول عنقه ثم يمسك بيدي قاصدًا المدرسة وهو يلهث من البرد، والبخار الأبيض يتصاعد من فمه، ثم يتركني عند الباب مع توصية بألا أفعل كذا أو كذا.. وهكذا يبدأ يوم الجحيم حتى الظهيرة..

في ذلك اليوم قررت أن المدرسة انتهت بالنسبة لي. كان الوقت مبكرًا تمامًا وفناء مدرسة الإصلاح الابتدائية المبتل من أمطار البارحة شبه خال من التلاميذ. لا أعرف كيف ولا لماذا قررت أن الوقت قد حان..

بخطوات آلية توجهت إلى بناية الإدارة ومشيت حتى غرفة مديرة المدرسة.. نظرت من الباب فوجدت الغرفة الرهيبة خالية تمامًا. إضاءة خافتة أقرب للظلمة ورائحة عطرية خفيفة في الجو..

في هدوء اتجهت إلى أكبر مقعد في الأنتريه الوثير الموجود في ركن الحجرة، وزحفت على ركبتي حتى صرت خلفه ثم تكومت على نفسي في وضع القرفصاء وأرحت ظهري للجدار..

كان الباركيه باردًا والجدار ثلجيًا لكني كنت سعيدًا. في كل يوم سآتي إلى هنا وأتوارى خلف هذا المقعد إلى أن تحل ساعة الانصراف فأتسلل إلى الخارج وأعود لبيتي!.. هكذا للأبد وإلى أن أصير رجلاًَ كبيرًا لا يقدر أحد على إرغامه على الذهاب للمدرسة.. طبعًا هي خطة محكمة لكنها تتجاهل عامل التحمل البشري، فهناك سجون انفرادية أكثر راحة من هذه، لكني تصورت أن هذا ممكن.. 

هكذا جلست راضيًا عن نفسي.. ومرت الساعات..
عرفت هذا من تغير الإضاءة المتسللة عبر الستائر.. 

لا أعرف الوقت لكني سمعت صوت الطابور وطقوسه.. لا تنس أننا في العام 1967.. ثم سمعت عشرات الأقدام تضرب الأرض متجهة لزنازين التعذيب. ظللت أهنئ نفسي على براعتي .. ويبدو أنني نمت قليلاً..

مر الوقت .. ثم سمعت من يتكلم .. هناك من يزيح الستائر ليجعل إضاءة المكتب ساطعة..

صوت العاملة العجوز الطيبة تقول لرجل ما:
ـ"هيا قالت إنها رايحة المديرية"

طلبتْ منه أن يشرب شيئًا. طلب قهوة طبعًا.. القهوة مشروب وقور يليق بالتربية والتعليم، من ثم غادرتْ المكان..

لم أفهم من الكلام سوى أن المديرة مختفية – ولعلها مختبئة خلف مقعد آخر – وأن هذا الرجل مهم جدًا. إنه ينوي الجلوس.. إنه يتجه إلى... إلى.....

المقعد الذي تواريت خلفه.. آخ!... هناك تفصيل بسيط هو أن ردفيه عملاقان وأن هذه المقاعد تميل للخلف عندما يجلس عليها رجل بدين. هكذا وجدت نفسي كفأر في مصيدة وقد قطع هذا الرجل الماء والنور عني.. ومددت رأسي أنظر له.. 

رأيته يعبث في أنفه في جشع ثم نظر حوله محاذرًا أن يراه أحد، ومسح أنامله في مسند المقعد، وعاد ينقب في شهوة عن شيء آخر. 
كانت هذه هي اللحظة التي لم أعد أتحمل بعدها فوثبت من خلف المقعد، وطار الرجل مترًا في الهواء وهو يصرخ:
ـ"بسم الله الرحمن الرحيم !"

احتاج إلى دقيقة كي يستوعب الموقف.. ودقيقة حتى يفهم أنني طفل في الخامسة.. 
حملت حقيبتي في كبرياء وغادرت المكتب أمام ذهوله.

عندما عدت إلى الفصل قوبلت بعاصفة من الدهشة.. لقد كانت هذه هي الحصة الخامسة!.. الكل يسألني أين كنت فأرد في غموض:
ـ"سباعي .."

لا ضمير لدى الأطفال وهم يجيدون الكذب ويلتذون به.. لهذا أرسلت المعلمة خطابًا لأمي تشكو فيه المدعو سباعي. وفي البيت استجوبتني أمي مرارًا فلم أكن أرد إلا بكلمة واحدة هي: 
ـ"سباعي !"

فيجن جنونها.. أين كنت يا عم سباعي؟.. الفتى يدافع عن نفسه ويقسم بأغلظ الإيمان أنه أوصلني للباب في الموعد المناسب..

طبعًا لم يصدقه أحد .. وظلت علامات استفهام مريبة تحيط به، بينما صار توصيلي للمدرسة مهمة أبي أو أختي. بعد أسبوعين تركت أسرة سباعي البناية لتعود إلى الصعيد، ولا أعرف إن كان لهذا علاقة باختطافه لي أم لا.. على كل حال عرف الجميع حقيقة القصة فيما بعد وتلقيت علقة بالشبشب البلاستيك الأحمر لها العجب... 

تذكرت قصة سباعي المسكين هذا.. مشكلته هي أن خصمه الكاذب كان في الخامسة من عمره، والأطفال لا يكذبون أبدًا كما تعلم.  وما زلت حتى اليوم أتمنى لو وجدته لأقول له: أنا آسف..

هذه هي الوقائع الغريبة والمثيرة لذلك الاختفاء الغامض، ولهذا أطالب قراء هذه الجريدة الغراء بأن يحتفظوا بها ولا يخبروا بها أي واحد ممن لم يشتروا هذا العدد..