أتذكر راجفًا القصة التي حكاها لي أحد المصريين عن صديق له، ذهب إلي بيروت للهو في أعوام الحرب الأهلية المنحوسة. ركب سيارة نقل عام فكان من حظه الأسود أن استوقفتها في شارع جانبي مجموعة من الشباب الملثمين المدججين بالسلاح .. راحوا ينزلون ركاب السيارة واحدًا واحدًا فيسألونه عن ديانته ويفحصون أوراقه، والمشكلة هي أن باقي ركاب السيارة لا يعرفون الإجابة .. هذا يتركونه ينصرف، وهذا يأخذونه علي جنب إلي جوار الجدار فيذبحونه بالسونكي كالدجاجة .. كان هذا كمين «إعدام حسب الهوية» من الكمائن التي انتشرت في لبنان وقتها. قل لي بربك ما هي الإجابة الصحيحة؟.. ما هي الإجابة الصحيحة؟.. بسرعة !.. هل الصواب أن تكون مسلمًا في هذه اللحظات أم مسيحيًا؟.. لم يعرف صاحبنا الإجابة قط لأن دوره جاء .. وعندما وقف وسط الجثث المذبوحة لمن سبقوه، وعندما طلبوا منه أوراقه ظهرت دورية من الشرطة؛ ففر المعتدون ونجا بمعجزة شبه سينمائية.. عاد المصري علي الفور إلي وطنه، ويحكي صديقي أنه ظل أعوامًا يجلس في غرفة خافتة الإضاءة يحملق في الجدار ولا يتكلم .. لقد احترق جهازه العصبي ولا تثريب عليه
أضناني البحث دوما عن كتاباته.. ففكرت في تجميعها ليسهل على عشاقه مثلي متابعة إبداعاته
قصاصات قابلة للحرق
ابحث معنا
Wednesday, September 22, 2010
Saturday, September 18, 2010
كلهم ناجحون
كقاعدة لم ألق قط حتى اليوم عربياً هاجر للخارج وفشل
صديقي هذا لم يكن طالباً متميزاً قط في أية لحظة من لحظات الدراسة. أذكر أننا كنا في مشرحة الكلية قبل امتحانات التشريح النهائية، فاقتحم المكان في حماسة حتى بلغ الجثة.. فأشار إلى شريان عملاق في البطن وتساءل
ـ «ما اسم هذا الشريان؟»
نظرنا له في عدم فهم وحسبنا أنه يمزح، ثم قلنا له أنه الشريان الأبهر (الأورطى)، وهو شريان معروف أعتقد أن أي صبي في العاشرة يعرفه.. لولا ما في ذلك من مبالغة لاعتقدت أن اسمه مكتوب عليه. فبدت عليه الراحة وقال وهو يتنهد
ـ «هذه معلومات كافية لهذا اليوم!»
Tuesday, September 14, 2010
وداعا أيها الشيخشاب
هذه من المرات القليلة التي يشعر فيها المرء بالاختناق لأنه يكتب مقالاً أسبوعيًا وليس يوميًا. منذ البداية أعتبر كتابة مقال يومي همًا مقيمًا والسبيل الأقصر لدخول العناية المركزة.. إنها ذات وضعية المدين الذي يقضي حياته هاربًا أو مهمومًا.. لكنه لا يتعامل بالمال بل يتعامل بالأفكار. إلا أن الأحداث تتلاحق أحيانًا بشكل مضن وسريع، بحيث تشعر بأنك بحاجة لمقال يومي -حتي لو كان قصيرًا جدًا- يواكبها
هناك موضوع «البرادعي» والصور العائلية التي استخدمها البعض للتشهير به، وهناك مسلسل الجماعة الذي أثار انتباه الجميع بدقة صنعه وبراعته، وإن بدت الحلقات الأخيرة أقرب لتصفية الحسابات التي توقعها الجميع علي كل حال، حتي حسبت أحيانًا أنني أرى الفصول الأخيرة من فيلم (الوجه ذو الندبة) أو (الأب الروحي). هناك كذلك قضية كاميليا التي تشتعل بها النفوس والتي تحتاج لتفسير واضح بكلمات واضحة. هناك قضية زهرة الخشخاش التي يتكلم عنها الجميع، بين مذهول لأن لوحة بهذه الأهمية تختفي بهذه البساطة، وبين مذهول لأنه لا يتصور أن تساوي قطعة قماش خمسين مليونًا ويري أن القصة كلها (هيافة) لا شك فيها
Wednesday, September 1, 2010
مصحة الدكتور أنطوان - 6
===============================
رفع الأستاذ سامي عينيه عن رقعة الشطرنج.. كان ينظر لنا في دهشة وقد وقفنا في حجرته/زنزانته.. بدا هشًا ضعيفًا جدًا.. قالت له نادية وهي تجلس على حافة الفراش
ـ"أنت طبيب.. الأطباء والممرضات بالخارج هم المجانين الذين استولوا على المصحة.. أليس كذلك؟.."ـ
ارتجفت شفته السفلى، وخُيّل لي أن في عينيه نظرة أمل.. فأردفت نادية
ـ"لقد حطموك بالتعذيب حتى لم تعد تجرؤ على الكلام.. لا تجرؤ على الاعتراف.. لكننا سنحررك"ـ
المختار من المختار
هذه المرة أرجو أن تعد لي كوبا حقيقيا من الشاي بدلا من هذا الماء الأصفر الساخن الذي تعده في كل مرة. الشاي الجيد في رأيي هو الذي تمسك بالكوب منه فلا ترى أصابعك من الجهة الأخري.. ويجب أن تكون كميته قليلة جدا.. فأنا غير راغب في الانتحار..
سوف أحكي لك اليوم قصة جميلة قرأتها قديما في مجلة المختار من الريدرز دايجست.. مجلة (المختار) كانت تصدر عن دار أخبار اليوم في مصر، وكانت مهمتها أن تقدم لنا وجها جميلا للسياسة الأمريكية والحياة في أمريكا.. مجلة لها نفس سحر مارلين مونرو ونفس مذاق الكولا وظرف ميكي ماوس ودونالد دك، ولأسباب كهذه كانت بعض علامات الاستفهام تحوم حولها دائما، في ذلك الزمن كانت لفظة (العالم الحر) لها مذاق استعماري أمريكي خانق، وكان موقف أمريكا ملتبسا، فهي مازالت واعدة كمحررة العالم بعد الحرب العالمية الثانية، لكن بعض الأنياب بدأت تظهر مع مشاكل كوبا وقصة خليج الخنازير وغزو لبنان وسحب تمويل السد العالي ووقف تصدير القمح.. إلخ.. ثم زاد الطين بلة مع قضية مصطفي أمين الشهيرة، وفي لحظة ما توقفت تلك المجلة لأعوام، ثم عادت لنا هذه المرة من بيروت.. وأشهد أن الصورة الأولي للمجلة بطباعتها الرخيصة وألوانها الباهتة وورقها الذي لايصلح ورقا للجرائد، كانت أروع وأكثر إمتاعا.. دعك من ترجمتها الرشيقة. الترجمة اللبنانية تثير أعصابي غالبا، خاصة عندما تتحول السويد بمعجزة ما إلي (أسوغ)، والطماطم والخيار يصيران (بندورة) و(كبيس) بالترتيب، واللبان (علكة)، ويظهر ممثل اسمه (غريغوري بيك) وآخر اسمه (كلارك غابل)، دعك طبعا من (البوظة) التي هي الآيس كريم بالترجمة اللبنانية، بينما عندنا تعني كارثة وليلة في التخشيبة
Tuesday, August 31, 2010
قُرب الجبل امرأة مرحة
منذ طفولتي والمعلمون يقولون إن عندي استعداداً طبيعياً لتعلّم اللغات.. هذا كلام جميل بالتأكيد، ولعلي ورثت هذا من أبي الذي كان يجيد أربع لغات؛ بل إنه قَطَع شوطاً كبيراً في تعلّم لغة الاسبرانتو التي كان العزم معقوداً على أن يتكلمها العالم كله، أيام عُصبة الأمم والحلم بعالم واحد بلا حروب
لكن تعلّم اللغات ما زال يمثل لي عقبة شديدة التعقيد، ولا عجب إذا اعترفنا بأن المرء لا يجيد اللغة العربية نفسها حتى اليوم، ومن يزعم غير هذا مغرور حتماً
لأنني رجل محظوظ
كنا داخل الطائرة في مطار كوالا لامبور العاصمة الساحرة لماليزيا، التي تجمع ما بين سحر آسيا العريقة وتحضر أية دولة غربية حديثة، عندما لاحظنا أن الضباب كثيف أكثر من اللازم خارج المطار.. ثم عرفنا أن هناك حريق غابات هائلاً جعل الرؤية في العاصمة شبه معدومة، وأن هناك حالات اختناق لا بأس بها. لكن الطيار قدر أن الرؤية معقولة لأن الدخان لم يبلغ المطار بعد، وهكذا انطلق علي الممر وسرعان ما صرنا فوق السحاب، وصارت كوالا لامبور وحريق غاباتها ذكرى بعيدة. من حسن الحظ أنهم سيطروا علي الحريق سريعًا فلم تحدث كارثة كالتي حدثت في روسيا
كان هذا شعورًا ممتعًا وقاسيًا في آن.. أن تترك المشاكل علي الأرض وتفر.. صحيح أنه لا يخلو من النذالة، فأنت تخليت عن إخوانك في الإنسانية لمجرد أنك محظوظ وأن لديك مقعدًا في الطائرة.. لكن الحماسة لم تكن لتبلغ بي درجة أن أصرخ ليوقفوا الطائرة وأنزل
Subscribe to:
Posts (Atom)



