قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Loading...

Tuesday, October 26, 2010

مما سبق - هوامش عن الحرب السادسة



spc
-1- 
في اليوم التالي مباشرة لسقوط بغداد، وجدت عند بائع الصحف جريدة أسبوعية تتصدر صفحتها الأولى صورة عملاقة لوزير الإعلام العراقي (الصحاف)، وقد كتب تحتها: "الصحاف: رمز الصدق الإعلامي".. هذه الجريدة لم تعرف بما حدث أمس ولم تجد الوقت لتبدل عناوينها، ففي الأسابيع التالية تحول الصحاف إلى رمز الكذب والجعجعة الخطابية الفارغة وانضم اسمه إلى اسم (أحمد سعيد) في مصر، وصار فقرة للإضحاك في الكوميديات الفضائية .. والكاريكاتور المرفق رسمه الفنان الشاب شريف عرفة تعبيرًا عن الرأي العام السائد وقتها.


برغم كل شيء فإن ذكرياتي عن الصحاف كانت إيجابية جدًا، ورأيي أنه أدى عمله كأفضل ما يكون .. يسقط الصاروخ الأمريكي في مكان من بغداد فيكون هناك خلال ربع ساعة غير خائف على حياته من قنبلة لم تنفجر بعد أو غارة تابعة، ويقدم الحقائق للصحفيين في ثبات وثقة مع الكثير من المرح.. وكم من مرة وجه ضربات محكمة لأكاذيب آلة الدعاية الأمريكية التي تقودها (سي إن إن) .. لقد كان بارعًا بحق حتى اللحظة الأخيرة، لكن الجيش خذله.. 

نفس الشيء ينطبق على صمود العراقيين أمام القوة العظمى في الكون.. هل نسينا الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب والوقت العصيب الذي منحه العراقيون للأمريكيين ؟.. هل نسينا القتال لمدة عشرة أيام في ميناء (أم القصر) والهجمات على قوافل المؤن، وسقوط الأباتشي، والمدفعية الأرضية التي تصدت لكل صورايخ (كروز) ؟.. هل نسينا المشاجرات في البنتاجون ؟.. والاستجوابات التي خاضها رامسفيلد حول (هل وضعتنا في فيتنام جديدة ؟.. كيف دخلت هذه الحرب من دون قوات برية كافية ؟).. ملحمة رائعة ساعد فيها أن خطة الدفاع عن العراق وضعها عسكريون محترفون، بينما سقطت بغداد ذاتها خلال ساعات لأن خطة الدفاع عنها وضعها المحامي (قصي صدام حسين)، وبما أنه ابن رئيس الجمهورية فقد افترض أن هذا كاف لجعله يجيد الاستراتيجية والسباكة والفن التشكيلي وميكانيكا الكم.. 

سقطت بغداد .. وعلى الفور نسى الناس كل شيء وتبخرت كل هذه المقاومة الأسطورية، فلم يعد أحد يذكر إلا مشاهد الاقتحام والنهب ..ونسى الأمريكان كل اتهاماتهم لرامسفيلد فلم يعد إلا القائد المنتصر ..

قلبي معك يا شيخ (حسن نصر الله).. فلو أن إرادتك انتصرت واستطعت أن ترهق إسرائيل إلى حد وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، فلسوف تصير بطل الأمة ويخرس كل منتقديك .. الرجل الذي استطاع أن يقهر إسرائيل بمجموعة من الميليشيات .. 

أما لو حطموك – لا سمح الله – فلسوف يلعنك هؤلاء الذين بحت حناجرهم هتافًا لك اليوم .. وسيذكر لك الناس إنك الرجل الذي تسبب في دمار لبنان، وبدد بحماقة النصر الجميل الذي صنعه من قبل .. وسيُقال إنك عميل إيران الذي أنسته الطاعة واجب الحذر .. ووقتها لن يتذكر احد حرفًا عن قصف حيفا والذعر الإسرائيلي وبطولات قرى الجنوب وقصف البارجة .. بل – الأدهى – سوف يقال إنك عميل لدى الموساد كلف بمهمة تبرير دخول إسرائيل إلى لبنان ...

-2- 
منذ سمعت اسم (حسن نصر الله) للمرة الأولى وقعت في حبائله ككل من عرفه .. إنه كاريزما تمشي على قدمين، وعقل متزن ومنطق قوي لا تشوبه شائبة .. في الوقت نفسه هناك لمحة معينة من المكر اللطيف في عينيه، وهي لمحة تشي بأنه لم يتخل بعد عن براءة الطفل بداخله .. هذه البراءة بالذات هي التي تجعله يرفض أنصاف الحلول، ويحتفظ بدهشته تجاه ألعاب السياسة السخيفة .. الحق واضح لا شك فيه، والباطل واضح لا شك فيه، فلم الخلط إذن ؟.. إنه يتصرف بالضبط بالطريقة التي تتصور أنك كنت ستتصرف بها لو كنت تملك القوة، ولهذا يشعر الإسرائيليون بأن لهجة خطابه مختلفة عن لهجة باقي العرب الذين يتكلمون عن السيف والخيل ولا يستعملونهم .. 

هذا الرجل لا يملك أوهامًا، ولا يشعر بحاجة لتفسير نفسه أو تقديم شهادة حسن سير وسلوك للغرب.. لقد كرر مرارًا إن المجتمع الدولي لا وجود له، وهو ما يؤمن به كل مواطن عربي، حتى أن أحدهم سألني: ما الذي نجنيه من مجلس الأمن والأمم المتحدة ولا عمل لهما إلا إدانتنا وحماية إسرائيل ؟.. لماذا لا تعلن الدول العربية جميعًا انسحابها من هاتين الجمعيتين التمثيليتين ؟.. حسن نصر الله يؤمن بالشيء ذاته، ويعمل بالضبط وفق بيت أبي القاسم الشابي:
لا عدل إلا أن تعادلت القوى ... وتصادم الإرهاب بالإرهاب

أذكر منذ عدة سنوات أن لبنان قام باستغلال حق مشروع له في مياه نهر الليطاني، لكن شارون هدد بأنه سيدمر أية مشاريع مائية تقام على هذا النهر لأنها تتعدى على حصة إسرائيل من المياه.. رأيت حسن نصر الله في قناة الجزيرة يقول بعبارات واضحة باردة: أية محاولة إسرائيلية ستقابل برد قاس، ولن يتأخر هذا الرد أكثر من الوقت الذي تستغرقه مكالمة أجريها على الهاتف المحمول !... هل تعرف ما حدث ؟.. أعلن (شارون) أن إسرائيل تحتفظ لنفسها بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين !!! وكنت أحسب هذه العبارة مقصورة على العرب فقط ..

الإسرائيليون أذكياء ويعرفون جيدًا أن هذا الرجل لا يطلق التهديدات جزافًا .. ليس صدام حسين الذي وعد بأن ينتحر مغول العصر على أسوار بغداد، ثم سقطت بغداد نفسها من دون رصاصة واحدة .. ليس الظواهري الذي فجر قنابل في مقهى أو في محطة أتوبيس في شبرا ليقتل طفلة عائدة من مدرستها، وذبح بعض السياح الألمان العزل، ولا يكف عن الكلام عن الكفاح برغم أنه لم يطلق طلقة واحدة على إسرائيل .. وفي العراق يتلخص كفاح القاعدة في تفجير مزارات الشيعة وذبح الجنود العراقيين .. قد يقول قائل إن الأمريكان هم من يفعل هذا.. إذن لماذا لم تنكر القاعدة ذلك في بيان واضح يا أخي ؟

الطريف في الموضوع هو أن الظواهري قرر أن يدلي بدلوه في الموضوع .. لا يمكن أن يسمح بكل هذه الشعبية لنصر الله الذي يوشك على التحول إلى بطل العروبة .. لابد من بيان لا معنى له كالعادة، وعلى الأرجح سوف يفجر محطة مترو في دولة أوروبية تساند العرب وترفض الحرب .. وسوف يتظاهر بالتحالف مع الشيعة مؤقتًا برغم أنه يراهم ألعن من الصهاينة .. 

-3- 
تذكرني ملامح (كوندوليزا رايس) بكومبارس مصرية شهيرة جدًا تلعب دائمًا دور فتوة المدبح أو كودية الزار في الأفلام، وهذا مع احترامي الشديد للكومبارس لأنها لم تستمتع بقتل المدنيين، ولم تصف تمزيق الأطفال بأنه (مخاض من أجل شرق أوسط جديد).. فقط أتساءل ماذا كانت كودية الزار (رايس) ستقول لو كان هؤلاء الأطفال الممزقون في الصور إسرائيليين .. مش كله مخاض يا وليه ؟ (سامحوني على هذه اللغة السوقية)..

(بولتون) مندوب أمريكا في مجلس الأمن بشاربه الأبيض المضحك يقول إن ما فعله حزب الله بإسرائيل لا يمكن مقارنته بما فعلته إسرائيل في لبنان .. لقد خطف حزب الله جنديين كاملي التسليح وأزعج الإسرائيليين وجلب لهم (الخضة).. هذه جريمة شنعاء كما ترى لا تتساوى مع تمزيق بعض الأطفال العرب الذين لا قيمة لحياتهم .. والأرقام على كل حال تدل على تقييمهم للأمر .. خمسون إسرائيليًا مقابل أربعمائة عربي .. الإسرائيلي الواحد يساوي ثمانية من العرب وكانوا يودون لو ساوى عشرة .. 

رأيت (بوش) بعينيه الضيقتين الغبيتين يقضم قطعة خبز بالكافيار، وبفم مليء يقول لبلير: "سيكون علينا الاتصال بسوريا لإنهاء هذا الـ Shit" .. ونسى الأحمق أن الميكروفون مفتوح. دعك من بلير الذي يقف مصغيًا لكلمات سيده الحكيمة، وقد رسم على وجهه تعبيرًا هو خليط من الاهتمام والفروسية والإخلاص من أعماق قلبه . وهو تعبير يجيد تمثيله دائمًا ..

سبحان الله !... شاهت الوجوه فعلاً.. من النادر أن يجتمع قبح القلوب وقبح الوجوه بهذا الشكل .. كلامك عن (الديموكراسي) يا مستر بوش لم يعد يخدع طفلاً عربيًا ..

لقد انتهت اللعبة ولم تعد هناك أية أوهام .. زال القناع عن وجه الأمريكي القبيح، وقد حرقت الولايات المتحدة أية جذور مستقبلية لها في العالم العربي .. حرقت أية مصداقية .. وكما قال أحد الإسرائيليين في جريدة (ها آرتز): "لقد قضينا على آخر أمل لنا في الذوبان في المنطقة .. صرنا مجرد بلطجي شرس أحمق .. "

قوة الرد الإسرائيلي رفعت الكثير من اللوم عما قام به حسن نصر الله وأعطته شرعية لا بأس بها .. عندما يقذفك طفل بحجر فتقوم بحرقه بالكيروسين، عندها لن يلوم أحد الطفل على قذفه الحجر .. سوف ينهال اللوم عليك أنت .. وأعتقد أن التراجع النسبي في موقف مصر والسعودية والأردن سببه بشاعة ما يحدث في لبنان، حيث صار لوم الضحية مخاطرة غير محمودة العواقب .. 

-4- 
قلبي معك يا شيخ (حسن نصر الله).. أعيش ذلك الكابوس الذي صار متكررًا .. أن ينتهي كل شيء في ساعات وبلا سابق إنذار، وأن يذوب حزب الله ونرى الإسرائيليين يملأون الجنوب اللبناني، بينما يبحثون عنك ويرجحون أنك فررت إلى سوريا .. رأيت هذا المشهد في كابول وبغداد، فليس من حقنا نحن العرب أن نشعر بنشوة النصر أو نتشفى في أقوى جيش في المنطقة وهو مرتبك ممزق .. وكما قال (محمد حسنين هيكل) تتعمد الولايات المتحدة في تكتيكاتها أن تظهر بمظهر المتعثر الذي يلاقي مصاعب في البداية.. هذا يرفع توقعات الجماهير لدرجة عالية، من ثم تكون السقطة مضاعفة لهذه التوقعات، ويكون الإحباط هائلاً.. المطلوب أن يؤمن المواطن العربي أنه لا جدوى، وأنه لا سبيل لهزيمة هؤلاء .. واحد فقط احتفظ بتفائله واحتفظ بيقينه الهادئ .. هذا الواحد ليس مغرورًا واهمًا مثل صدام حسين، وليس بائع كلام مثل الظواهري ..

أدعو الله أن تكون مدركًا لما تفعله حقًا يا شيخ حسن، وأن تكون على قدر الحكمة وبعد النظر الذي توحي به كلماتك وقسماتك .. لقد احتل حزب الله مكانًا عزيزًا في وجداننا ومن العسير أن يصير هذا المكان خاويًا لا سمح الله