قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Showing posts with label ثقافة و أدب. Show all posts
Showing posts with label ثقافة و أدب. Show all posts

Friday, September 20, 2013

وداعا "بص وطل"


أعتقد أن "بص وطل" صار أسلوب حياة لعدد كبير منا

حقا لم أتصور أن أكتب هذا المقال القصير يوما، لكنها الحقيقة. الشموس تغرب والبشر تموت والأنهار تجف، فلماذا لا تتوقف مواقع الإنترنت؟

Thursday, September 12, 2013

حزر.. فزر - اﻷخيرة


لماذا فكرتِ في هذا يا مي؟ لماذا كنتِ أذكى من اللازم؟ هناك لحظات من الأفضل فيها للمرء أن يكون كفيفا أو أصم أو غبيا.. الفهم خطر ومخيف.. ألا ترين هذا؟ أسعد الناس حظا هم من ماتوا وهم لا يعرفون أنهم يموتون

كانت جالسة في ذات الوضع.. تفرك كفيها كأنها لم تسمع إجابة الرجل
كانت تبحث عن رد فعل مناسب
بدا كذلك أن الحضور جميعا قد أصابهم الخرس.. الحل الذي توصلت له بهذه السرعة قد صدم الجميع

كانت الصورة الآن قد صارت واضحة.. برنامج مزيف.. حيلة وكلام عن جائزة قيمة.. ناردين قد سلمتها لهم لأنها تعرف ظروفها، ولا شك أن كل واحد من الثلاثة قد جاء مخدوعا بدوره.. الحلقات التي رأتها على الكمبيوتر في بيتها مزورة وبريئة لخداع السذج

Friday, September 6, 2013

حزر.. فزر - 3


الموجهة التعليمية قوية الشخصية إلى حد الشراسة، توجه سؤالها والشرر يطق من عينيها:ـ
ـ هل أنت لص؟
ـ لا

كان هذا سؤالا سخيفا لكنه منطقي جدا.. الرجل يدفعهم لحارة ضيقة لا يمكن التحرك فيها.. يعمل ليلا.. عمله له علاقة بالموت والحياة.. ليس طبيبا وليس حارسا ليليا وليس حانوتيا. ماذا يمكن أن تسأل عنه بعد ذلك؟
قال غسان في تهكم:ـ
ـ هل تتوقعين يا أستاذة نجوى أن يجيب بنعم لو كان لصا؟ 
في تحد وصلابة قالت:ـ
ـ اتفقنا على أنه لا يكذب.. قلت إن هذا يلغي معنى البرنامج أصلا

ـ هذا صحيح.. وعلى كل حال أضمن لك أنه ليس لصا إلا بشكل مجازي
مجازي؟ ما معنى لص مجازي؟ على كل حال قد جاء دور مي

Thursday, August 29, 2013

حزر.. فزر - 2


انتقلت الكاميرا إلى السيدة الشرسة نجوى الشربيني، وقد ارتسمت على وجهها مسحة امتعاض واضحة تقول بكل جلاء: "الوجود في هذا المكان لا يليق بي"ـ

ارتسمت على وجه نجوى مسحة امتعاض واضحة ـ (رسوم: فواز) ـ

ملأ وجهها المتنمر المغطى بالأصباغ الشاشة، وقد توقفت الموسيقى بانتظار سؤالها

قالت في تؤدة:ـ
ـ هل عملك له علاقة بالطب؟
ساد الصمت قليلا ثم قال الرجل خلف الستار ضاغطا على كلماته:ـ
ـ لا

واجه المذيع غسان الكاميرا والتمعت عيناه أكثر؛ هذا الرجل يجيد فن جعل العينين تلمعان كأن عنده زرا يضغط عليه عند الحاجة.. قال غسان بينما الموسيقى تتعالى:ـ
ـ لقد أتممنا دورتين لكن ما زالت إجابة اللغز مبهمة.. يجب أن أذكّر المتسابقين أننا نسمح فقط بخمس دورات، وبعدها نعلن فشلهم.. بعبارة أخرى: يفوز ضيفنا خلف الستار بلقب "أكثر الرجال غموضا"ـ

Thursday, August 22, 2013

حزر.. فزر - 1


أضواء تتوهج.. الكشافات تصوّب نحو المنصة العالية التي يجلس إليها المتسابقون.. موسيقى.. يشير مساعد المخرج الشاب العصبي للشباب الذين جاءوا ليلعبوا دور الجمهور كي يصفقوا، وينظر لهم نظرة نارية

يضيء شعار القناة نوفا مع بروفايل أنيق شامخ للمذيع غسان يوسف
يتحرك "الكرين" كوحش أسطوري يهبط من علٍ

تقترب الكاميرا الأولى من وجوه الضيوف، وعلى الشاشة العملاقة في ركن الاستوديو يظهر وجه مي العصبي المتوتر قليلا.. هذه مرتها الأولى على الشاشة كما هو واضح، عندما تكتشف الحقيقة المروّعة أن الكاميرا مسلطة على وجهها والجمهور يرى كل حبة وكل قطرة عرق على بشرتها.. يرون عينيها العسليتيين ويرون ارتباكها والكلمات المتعثرة على شفتيها.. هذا لا يجعل حالتها أفضل

على الشاشة العملاقة في ركن الاستوديو يظهر وجه مي العصبي

المذيع الشاب المتأنق الوسيم غسان يبدو كأنه دمية لامعة، يقف خلف منصته البعيدة ويطلب منها أن تعرّف نفسها.. فتقول:ـ
ـ م.. م.. يسين. م.. هسة.. كت.. محركات
قال ضاحكا مشجعا:ـ
ـ لو تكلمت بصوت أعلى لكان هذا لطفا منك

Thursday, August 15, 2013

دبة النملة - اﻷخيرة


أعتقد أن قلبي كان موشكا على التوقف
هناك لحظة مخيفة بين التحديق في ذلك الوجه يحملق فيك، وإدراك الحقيقة المخيفة.. إنه يراك

الآن أفهم سر توتر الزوجة وشحوبها.. أفهم لماذا ذهبت نورا عند جدتها. هل رأت الزوجة هذا المشهد؟ لا أظن وإلا ما ظلت حية.. على الأرجح هي خمنت أو شعرت بشيء ما خطأ. لكن لا تقل لي إنها رأت زوجها يمشي على الجدران وقبلت ذلك

رأيت ذلك الشيء الذي يمشي على السقف ينحدر نحوي.. يهبط الجدار بسرعة خاطفة مما تميز الزواحف.. سرعة خاطفة تقطعها وقفات متحفزة حذرة. صمت تام يجعلك تشعر أن أذنك مختلة. فجأة وجدت يدي تطبق على سكين الطعام الضخمة تلك.. شعرت بأمان شديد وانا أعتصرها

فجأة وجدت يدي تطبق على سكين الطعام الضخمة ـ (رسوم: فواز) ـ

هرعت إلى الباب فخرجت، ثم أغلقته خلفي في قوة وركضت إلى الصالة.. هنا رأيت مقبض الباب ينفتح. وفي اللحظة التالية كان شاكر يركض على قدميه متجها نحوي. لقد تبدل وجهه فعلا.. لم يعد وجه المهندس الظريف البارع صديقي القديم. هذا وجه.. وجه وَزَغَة

Tuesday, August 13, 2013

دبة النملة - 4


راح هاشم يتكلم وأنا شارد الذهن أفكر بعمق فيما وجدته. خطر لي نوع من الهاجس الذي لا يستند إلى أساس علمي أن عينيه تلمعان أكثر من اللازم.. ربما هما تضيئان

خطر لي هاجس أن عيني هاشم تلمعان أكثر من اللازم ـ (رسوم: فواز) ـ

ماذا يحدث هنا بالضبط؟
كان ما لمسته وتهشم تحت قدمي هو عظام.. عظام حيوان أو طائر صغير، ويبدو من ملمسها أنها هنا منذ زمن سحيق. هناك كمية هائلة منها

Friday, August 2, 2013

دبّة النملة - 3



يمكنك أن تتخيل تعبير وجه شاكر عندما أخبرته بهذا الاقتراح
تصور هذا سهل على كل حال.. نحن لا نتحدث عن حاسة تُفقد أو قدرة تضيع.. نحن نتحدث عن طرف طار.. تمزق.. ذهب به نصل


المسكين
قال لي في أسى:ـ
ـ لقد انتهى زمن المعجزات.. أنا لا أفهم في الطب لكن ثق بأنني لن أحمل جثة مزقها القطار إلى عيادة طبيب
نظرت ليده المبتورة الملفوفة في الضمادات ثم قلت:ـ
ـ عدني بشيء.. أنا مخبول غير مستقر نفسيا.. اتفقنا؟
ـ أنت لست كذلك
ـ بل أنا مخبول من الطراز الذي يجري في الشوارع وكسرولة على رأسه.. اللعاب يسيل من فمه.. هذا المخبول لا يريد سوى شيء واحد هو أن تذهب لهذا الطبيب
ـ هذا مطلب عسير.. أنت تداعبني دعابة قاسية اسمها الأمل.. هذه الدعابة لن تفضي بي سوى لمزيد من الألم

Sunday, July 28, 2013

دبّة النملة - 2


كان جالسا في تلك الغرفة خافتة الإضاءة، وعلى عينيه ضمادات.. دخلت نورهان حاملة صحفة عليها مشروب بارد وجلست جوارنا ترمق زوجها في جلسته المتصلبة

بدا لي الأمر كأنه مر بجراحة معينة.. وانتظرت حتى يحكي لي ما حدث

كان ما زال قادرا على السمع لكن عليك أن تصيح بصوت جهير، وكان يتكلم بنبرة عالية كذلك لأنه لا يدرك مدى ارتفاع صوته

قال لي:ـ
ـ بالطبع لم أستطع رؤية ما يحدث جيدا.. كنت أرى بعض الأشباح، وعرفت أنها شقة في بناية شامخة في وسط البلد.. بناية ذات مصعد يتعطل أكثر الوقت. الشقة كانت نظيفة ورائحة المطهرات تملؤها لكنها قديمة. أما الرجل فكان له صوت عميق مريح كأنه أريكة تضع عليها توترك الخاص. لا توجد أي لكنة غربية في كلامه.. تشعر أنه مصري ابن مصري

كان كلام دكتور ويليام لا توجد به أي لكنة غربية ـ (رسوم: فواز) ـ

قال لي إنه يمارس ضربا غير تقليدي من العلاج، وهذا العلاج يتلخص في حقني بمجموعة من الحقن التي تحوي خلاصة خلوية.. أما عن محتوى هذه الحقن فهنا يكمن سر العلاج.. لا أسئلة من فضلك. لا يمكن إفشاء السر، ولو كنت مصرا فبوسعي دائما أن أنسحب. لن يخبرني... باختصار "ما بين البائع والمشتري يفتح الله"ـ

وافقت طبعا.. وقلت لنفسي إنني لن أخسر شيئا.. و"ضربوا الأعور على عينه قال خربانة خربانة".. هذا المثل ينطبق على حالتي حرفيا

Monday, July 22, 2013

ليس أنا



قرأت لدى عدد كبير من الناس مقالا واسع الانتشار كتبته أنا، أقول فيه إنني كنت من ألد أعداء الرئيس محمد مرسي، لكنني عدتُ إلى الصواب وعرفت أنني كنت في المعسكر الخطأ، وأرفض الانقلاب العسكري الذي حدث. كل هذا جميل.. لكنني لم أقل حرفًا منه

يعرف قرائي أن هذا لم يكن رأيي قط، فلم أكن من ألد أعداء مرسي، ولا أعتبر ما حدث انقلابًا عسكريا..  وبصرف النظر عن رأيي فلا أقبل أن يذكر أحدهم ما يريد، ثم يضع توقيعي في نهايته. حتى لو قال إن الشمس تأتي من الشرق فلن أقبل.. هذا تزوير لا شك فيه

Thursday, July 18, 2013

دبّة النملة - 1


اجلس يا محمود ولا تثِر توتري.. أنا أمقت الأشياء التي تتحرك في مجال نظري، وأمقت هؤلاء العصبيين كثيري الحركة؛ الذين ينقلون ساقا على ساق.. أنت تعرف أن التوتر العصبي معدٍ، وأن هناك ظاهرة تدعى (الإشعاع السيكو فيزيائي)ـ

اجلس وهات كوبا من الماء البارد من هذا الدورق. هل شغلت جهاز الكاسيت؟ لا بأس.. لكننا سوف نستمع إلى الشريط بالكامل بعد انتهاء قصتي.. هناك مقاطع لن أسمح لك بنشرها طبعا

صداقة طويلة جمعت بيني ورامز.. صداقة دامت 20 سنة على الأقل
كانت هذه الصداقة مثالية في كل شيء.. كنا صديقين مخلصين لبعضنا، وكان يعرف معظم أسراري وأنا أعرف كل أسراره.. لا مشكلة

بالنسبة لتوزيع المواهب كان التوزيع عادلا: أنا بلا أي موهبة من أي نوع.. هو يملك يدا وأذنا موسيقيتين بلا شك، وكان يتصدر أي احتفال للمدرسة

كنت قوي البنية محدود الذكاء قليل المواهب.. وكان هو ضعيف البنية شديد الحساسية والذكاء

Friday, June 7, 2013

زوزانكا - اﻷخيرة


متى عادوا؟
كيف لم تشعر بهم؟
كانت تتراجع بظهرها إلى الخلف وهي تدرك أنها قد فضحت.. لا يوجد تفسير واضح سوى الفضول، وهم لن يصدقوا موضوع الفضول هذا

كان حموها ينظر لها نظرة نارية ثابتة.. الوجه الشاحب والعينان الغائرتان كأنما لا وجود لهما. العينان اللتان تختلسان النظر من وراء حاجبين كثّين

كانت العينان تختلسان النظر من وراء حاجبين كثّين ـ (رسوم: فواز) ـ

ألكسيس هو الآخر كان يعقد ساعديه على صدره ويرمقها وثمة شبه ابتسامة خافتة على شفتيه. وجاتيس كان ينظر لها في حيرة، بينما ترمقها ناتاليا في توحش

Friday, May 31, 2013

زوزانكا - 4


تتذكر زوزانكا أن هناك مجموعة من المفاتيح في المطبخ معلقة إلى مسمار هناك فوق الموقد. مفاتيح غليظة كئيبة صدئة تعيد لذهنك كوابيس قديمة عن ذي اللحية الزرقاء والغولة.. إلخ
يجب أن تتصرف بسرعة

هرعت إلى المطبخ وتناولت مجموعة المفاتيح تلك والتي رُبطت بحبل.. ثقيلة غليظة.. ترى أيها المفتاح المقصود؟ من المؤكد أن ألكسنيس معه نسخة أخرى.. لا تعرف إن كانت هناك نسخة مع جاتيس زوجها. لقد فتشت غرفة النوم بعناية

تهرع إلى القبو وتولج المفتاح الأول في الثقب.. كروك كروك! لا يفتح
تجرب المفتاح الثاني.. ثم تذكرت لعبة النحس القديمة: لا بد أن آخر مفتاح هو الصحيح! انتقت آخر مفتاح وأولجته في القفل.. بالطبع لم يفتح لسبب بسيط هو أن آخر مفتاح صار هو الأول

تهرع زوزانكا إلى القبو وتولج المفتاح الأول في الثقب ـ (رسوم: فواز) ـ

في النهاية وبعد محاولات مرهقة انفتح الباب
باب خشبي عتيق هو.. مناسب هو جدا للرعب. كانت تحمل في يدها فانوسا صغيرا له ضوء خافت مقبض. هناك درجات تهبط لأسفل

Friday, May 24, 2013

زوزانكا - 3


ظل سكان لاتفيا يمثّلون حالة وحدهم بالنسبة لأوروبا كلها. كانت أوروبا كلها تنبذ الوثنية وتعتنق المسيحية.. راحت حصون الوثنية تنهار أمام زحف الصليب، وكانت المسيحية تضم إليها معظم الأعياد الوثنية القديمة لتجعلها ذات طابع مسيحي

تذكر أن الهالوين كان ليلة لجميع الشياطين فصار ليلة جميع القديسين. و"بان" إله المراعي الذي يشبه التيس حوّلته المسيحية إلى الشيطان كما نتخيله ونراه في الرسوم. لكن المبشرين الذين وصلوا عبر النهر إلى لاتفيا كانت أمامهم مهمّة شاقة جدا

لم يكن أهل لاتفيا مستعدين لقبول المسيحية بسهولة. احتاج الأمر إلى جيش من الصليبيين الألمان ليرغموا اللاتفيين على اعتناق المسيحية
ترى هل اعتنقها الجميع حقا؟

**********

هناك في حانة البلدة القريبة تمدد الجسد
يقف حشد من الأهالي مطرقين وقد نزعوا قبعاتهم، وكانت هناك أكثر من امرأة عجوز تضرب صدرها بقبضتيها.. لقد كان المصاب فادحا

وقف حشد من الأهالي مطرقين أمام الجسد المُمدد ـ (رسوم: فواز) ـ

هناك على المنضدة تمددت الجثة.. جثة الشابة "إنجونا بروكا".. تبدو مثل حورية ماء ماتت وقذفها المد على الشط. صورة للجمال النائم.. يصعب أن تصدق أنها ميتة، والأسوأ أن ترى كيف تمزّق عنقها بشراسة

Thursday, May 16, 2013

زوزانكا - 2


شجرة الصفصاف شهدت على قصة الحب الوليدة.. نقش قلب لا بد حُفر بسكين، ولا بد أنه وجد من قبل الكون. جاتيس والعزف على الهارمونيكا.. الليل الزاحف على الغابة، ولكنها تعرف أنها معه. يكتب الحب كلماته الأولى على العشب

جاتيس يطمئن على بذرة الحب الأولى.. يسقيها بكلمات ليست كأي كلمات.. هل أنت ساحر؟ من أين تأتي بعبارات كهذه؟ عبارات تشعرها بأنها ملكة وملاك في آن. ثم هاتان العينان.. اللعنة على هاتين العينين.. إنهما قادرتان على غزو قارات كاملة.. قادرتان على غزو الصين.. قادرتان على ترويض الذئاب في التايجا.. فكيف لا تقدران على قلب امرأة غض؟

زوزانكا صاحبة العينين العميقتين
زوزانكا ذات القدمين الدقيقتين
زوزانكا قد وقعت في حب جاتيس ابن هيلموتس

زوزانكا صاحبة العينين العميقتين  ـ (رسوم: فواز) ـ

وجاء اليوم الذي رأت فيه زوزانكا الفتى وقبعته في يده.. يقف على بابها ويبتسم لأمها في خجل. يقول إنه لا يقدر على العيش من غير زوزانكا.. إنه يريد الزواج

معه كانت أمه فانيا ترتدي ما خيّل لها أنه ثياب أنيقة.. النتيجة أنها بدت كساحرة شريرة في قصة أطفال

Saturday, May 11, 2013

زوزانكا - 1


يقع البيت في شارع جايزكالنس. يمكنك أن ترى نهر جاوجا على بُعد أمتار
ليس شارعا بالضبط، بل هو طريق مرصوف بالحجارة الصغيرة على غرار شوارع كثيرة في لاتفيا
المكان والوجوه والجو العام يذكّرك بالحرب العالمية الثانية، حتى تتوقع أن ترى دبابات البانزر الألمانية تبرز لك عند خط الأفق

الوجوه كالحة والابتسامة نادرة؛ هناك جو عام من الخشونة وافتقار لروح الدعابة، لكن لا ننكر أن النساء فاتنات، يخيّل لي أحيانا أن الصورة المثلى للنساء خلقت هنا، ثم ارتحل بعضهن للشرق فاصفرّ لونهن وارتحل بعضهن إلى إفريقيا حيث أحرقت الشمس بشرتهن فاسودت. بعضهن رحلن إلى أوروبا فازددن شحوبا، المهم أن الأنثى الحقيقية الجديرة بالمعاجم تعيش هنا

عند مدخل الدار، يمكنك ساعة الغروب أن ترى العجوز "هيلموت بولوديس" يجلس على كرسيه الهزّاز، وهو يتسلى بالسكين التي يحفر بها قطعة من الخشب. يمكنك أن تدرك من شحوب وجهه أنه لا يخرج كثيرا، الحاجبان الكثّان والعينان الغائرتان

يجلس العجوز يتسلى بالسكين لحفر قطعة من الخشب ـ (رسوم: فواز) ـ

ـ"هيلموت" ليس ودودا على الإطلاق؛ ليس له أصدقاء ولا يرحّب بالزوار، لكنه يصنع نبيذا جيدا في قبو داره، ويبدو أن هذا هو دخله الوحيد
سوف ترى من بعيد زوجته "فانيا" وهي تحمل طبقا مليئا بالحبوب وتتجه إلى الفناء الخلفي لتطعم الدجاج، عجوز تضع على رأسها إيشاربا مزركشا، يمكنك أن تعرف هذا الوجه على الفور

هناك ذلك الشاب الخشن طويل اللحية، اسمه "ألكسيس"، ابن "هيلموت" الأكبر، إنه يقف مستندا إلى الجدار ويدخّن لفافة تبغ خبيثة الرائحة.. لا بد أن لاتفيا لا تنتج تبغا جيدا
الفتى النحيل الذي يحمل طعاما للخنازير في الفناء الخلفي هو "جاتيس" ابنه الأوسط، شاب وسيم كما ترى، ويروق للفتيات كثيرا

هناك فتى مراهق يمشي في الشارع قاصدا شراء خبز، إنه الابن الأصغر "أرتور"، أما الفتاة رائعة الجمال التي تظهر من حين لآخر فهي "ناتاليا" ابنة الرجل

إن الأسرة متماسكة جدا.. الشباب لهم بعض الأصدقاء، لكنهم أميل إلى الانطواء عموما. هذه الأسرة تزرع وتربي معظم طعامها، وعند المساء ربما يذهب اثنان من الإخوة في جولات غامضة ربما قرب النهر، وربما في البنايات الخربة الواقعة على بُعد
لا أحد يعرف من أين يأتي دخل أسرة "هيلموت بولوديس" العجوز، لكنهم كانوا هنا دوما وسوف يبقون

في الحقيقة لا يحب معظم القرويين هذه الأسرة.. السبب هو التطيّر طبعا، لكن القس قال لهم إنه لا ذنب لهؤلاء الأبرياء.. عندما يموت أخو "بولوديس" العجوز عم الأولاد.. بعد أيام حدث فيضان واضطر الناس إلى فتح المقابر لإخراج التوابيت، ما حدث هو أنهم وجدوا جثة العم وقد فتحت ساقها، هناك قدم تستقر في ركن التابوت.. هم يعرفون يقينا أنهم لم يدفنوها بهذا الشكل

القرويون تذكروا خرافاتهم وتذكروا أن العم كان السابع في سلسلة إخوته الذكور.. وهكذا ازدادوا قلقا فلم يطمئنوا إلا عندما وضعوا قطعتين من الفضة على عيني الميت وحشوا فمه بالثوم

المشكلة في هذه البلدان أن الصراع بين الكاثوليكية والأرثودكسية كان عنيفا، وهنا برزت مشكلة الجثث التي لا تتعفن تحت الثلج.. أتباع أحد المذاهب زعم أن الجثث لم تتعفن لأن أصحابها قديسون.. المذهب الآخر زعم أنهم لم يتعفنوا لأنهم مصاصو دماء

لكننا لسنا في زمن حرق الساحرات، لهذا لم يحدث شيء للأسرة.. لم يصل الخبل بأحد أن يفترض أنهم مصاصو دماء، لكن كان هناك جو من عدم الاستلطاف

لنفس السبب لم يتقدم أي شاب للحسناء "ناتاليا".. لا أحد يريد التورط بدخول هذه الأسرة. بالطبع حاول الكثير من الشبان أن يعبثوا، لكنهم تلقوا علقة ساخنة من أخيها الخشن ألكسيس، إنه يمسك بالشاب فيجندله ويحلق أهدابه وحاجبيه.. يمكنك عند الصباح أن تدرك أن هذا شاب تحرّش بـ"ناتاليا"ـ

هكذا تمضي الحياة بلا تغيّرات
إلى أن ظهرت "زوزانكا"ـ
ـ"زوزانكا" اسم محبب في لاتفيا كما لا بد أنك تعرف، وهو تنويع على اسم "سوزانا".. كان الجميع يعجبون بـ"زوزانكا"ـ

هي فتاة رقيقة لعوب قليلا وشديدة الذكاء. إن أمها فخورة بها لكنها قلقة عليها من دون جوانات البلدة، ولكن "زوزانكا" يقود خطاها غرور الصبا، وتعتقد أنها قادرة على أي خطر وأي شخص

الكل يحب "زوزانكا" ويتودد إليها، خصوصا عندما تمشي في سوق السمك متبخترة، وتسمع موسيقى تنبعث من مذياع ما فتأتي بحركات راقصة خفيفة رشيقة.. عندها يجن الشباب
ـ"زوزانكا" صاحبة العينين العميقتين
ـ"زوزانكا" ذات القدمين الدقيقتين

غرور الصبا والثقة بالنفس يقودانها، لهذا في تلك الليلة السوداء عادت من عند صديقتها "ليلى إزرجاليس" في ساعة متأخرة، ولأنها مغرورة فضّلت أن تمشي عبر الغابة التي تقع خلف البنايات، وهي منطقة لا يجرؤ شاب على المضي فيها ليلا

لا تعرف متى ولا كيف شعرت بأن هناك من يقفو أثرها؛ جدّت في المشي، ثم أدركت أن شابين يتبعانها في إصرار، التفتت للخلف فرأت الشابين "أندريه" و"ميخيلس".. هما معجبان بها جدا وقد أدركت أن وجودهما هنا في الظلام ليس بريئا

أطلقت بعض السُباب، والسُباب صار صراخا، ثم استغاثة صريحة، وقد أدركت ما ينويان.. خارت قواها، لقد تصرفت بحماقة فعلا؛ إنهما ثملان تماما

أطلقت "زوزانكا" بعض السُباب عندما رأت الشابين ـ (رسوم: فواز) ـ

المشكلة في هذا الظلام أنك لا ترى شيئا تقريبا، وهم بعيدون عن أسماع الناس
لا تعرف متى ولا كيف وجدت الشاب الأول يطير في الهواء، ارتطم ببعض الأشجار ثم سقط. ثم رأت الشاب الثاني يرتفع من عنقه ليسنده حامله إلى جذع شجرة، وكان الشاب مذعورا توشك عيناه على مغادرة المحجرين

سمعت الفتى يقول في الظلام:ـ
ـ أنزلني يا "جاتيس"؛ أنا أختنق
ثم سمعت صوت "جاتيس" الشاب ابن "هيلموت" الأوسط يقول:ـ
ـ بوسعي أن أفتك بك يا وغد ولن أدفع لك دية

ثم تركه يسقط أرضا ووجّه له ركلة أخيرة
لم تصدق ما حدث ولا المعجزة التي أنقذتها. بالنسبة إليها كادت ترى لـ"جاتيس" جناحي ملاك.. ولا تعرف كيف تركت يدها الصغيرة تنام كعصفور صغير في كفه وهو يقودها خارج تلك الغابة، إلى حيث بيتها

كانت هذه هي البذرة الأولى التي زرعت الحب في قلب "زوزانكا"ـ
لم تستطع قط أن تنسى هذه الليلة، وكيف حط كالنسر على الفأرين اللذين تحرّشا بها
لم تسأل نفسها عن سبب وجوده في الغابة في تلك الليلة.. لم تسأل نفسها عن الكيفية التي رأى بها في الظلام الدامس ولا كيف سمع صرختها.. لم تسأل نفسها عن القوة الكاسحة التي قهر بها شابين ضخمين
كان على "زوزانكا" أن تتعلم الكثير

.......

يُتبع

Friday, April 26, 2013

الشيء في الصندوق - اﻷخيرة


عندما جلس هاني وحيدا في غرفته، اندهش للتطور الذي يعتري عواطف المرء. عندما عاد للدار كان ساخرا ناقدا لا يكف عن التهكم على سخف الفتيات..  كانت الأمور تبدو له واضحة جدا

كانت الأسرة كلها نائمة الآن.. شخير أخيه الأصغر يتعالى في فراشه الصغير بركن الغرفة.. ذلك الفراش الذي صنعوه له من صندوق قديم وضعوا عليه حشية.. الأبوان نائمان، والفتاة نائمة في غرفتها.. هذا جو من الوحدة يوحي بأي شيء. يتضخم الخيال مع الوقت ويصير المستحيل ممكنا

فلنر هذا الصندوق الصغير إذن
أبخرة الشاي تتصاعد وهو يقلب الصندوق في يده، ثم فتحه بحذر وأخرج اللفافة وراح يقرأ القصيدة

ولما توارى شعاع الأصيل
وعدنا من الغاب نبغي الرحيلا
دعت لي بسلوى وصبر جميل
إذا ما الوصال غدا مستحيلا
وتسمع في الليل همس القبور
وأنفاس من غاب عودا نحيلا
وقابيل يلقى أخاه الحبيب
فتجري الدماء ويهوى قتيلا
لقد حان حينك يا ابن الدياجي
ألا تسمع الموت يأتي عجولا؟
خرجت لتلهو قرب الردى
فجاء الردى غاضبا مستحيلا

لا يمكن أن تتهم الشاعر بأنه عبقري، وبالتأكيد لم يكتبها المتنبي، لكن هناك جوا من الغموض المشئوم يحيط بهذه الأبيات.. شيء سام.. لا شك في هذا.. ستة أبيات

الخط خط رقعة جميل جدا وأنيق.. مد يده يبحث عن ريشة الكتابة التي كان يستعملها في مدرسة الخطوط وأخرج قنينة الحبر الشيني الصغيرة

بحذر.. وبنفس الخط الجميل تقريبا كتب في نهاية القصيدة:ـ

وعدت هنالك وقت الغروب
فألفيتها في انتظاري طويلا
وعاد الوصال يزور القلوب
وعاد الربيع ينير السهولا

بحذر.. وبنفس الخط الجميل تقريبا كتب في نهاية القصيدة - (رسوم: فواز) ـ

تمت بحمد الله
ونظر في رضا إلى البيتين الأخيرين.. نهاية سعيدة إجبارية..  لقد انتهى هذا الكابوس إذن
وهنا انقطع التيار الكهربائي

******

العمة كانت تعرف أفضل في أيامها الأخيرة
عندما تقدم بها العمر وأدركت أن الرحيل على الأبواب، قررت أن تفتح هذا الصندوق الذي وجدته في حاجيات أمها.. أمها كانت تقول كلاما غريبا عن عثورها عليه في المقابر يوما ما، كانت أمها لا تقرأ ولا تكتب لذا لم تعرف قط ما في الصندوق حتى ماتت.. الآن وقد صار الحاجز الفاصل بين العالمين واهيا جدا أو افتراضيا خطر لها أن تلقي نظرة

طلبت من ابنتها وصال أن تجلبه لها، ثم جلست في الفراش تضيق عينها في ضوء المصباح الشاحب
فتحت الصندوق وبعينين واهنتين قرأت المكتوب في اللفافة.. ولم تفهم شيئا:ـ

ولما توارى شعاع الأصيل
وعدنا من الغاب نبغي الرحيلا

بيت شعر واحد.. ما معنى هذا ولماذا يدفنه أحد في صندوق؟ لم تدر السبب.. لكنها طلبت من ابنتها أن تحتفظ به في خزانة الثياب في الرف العلوي.. حيث تحتفظ بالبطاطين

راحت تتأمل عود وصال الرشيق وهي تشب على الفراش لتضع الشيء في خزانة الثياب، وخطر لها أن وصالا هي أروع شيء حققته في حياتها.. عروس فاتنة مكتملة وطالبة جامعية.. أفضل أولادها بلا جدال
عندما نامت أخيرا لم تكن تعرف أنها المرة الأخيرة

يقول رجال الشرطة إن الفتاة ارتكبت خطأ فادحا. لقد عجزت عن النوم فشربت جرعة من دواء الكلورال المنوم.. لما عجزت عن النوم برغم هذا أخذت قرصا منوّما من أدوية الوالدة.. كلورال مع الكحول أو المنوم.. كثيرون تلقوا درسهم الأول في علم الفارماكولوجيا وهم يدخلون القبر

ماتت وصال بطريقة عبثية عجيبة.. مخزون هائل من الحزن صار لدى العمة كي تقزقزه كاللب وحدها في كل ليلة.. وطالت أيام الحزن وهي تدعو الله أن يرحمها وتموت

ما حدث بعد هذا هو أنها طلبت من أحد أولادها أن يجلب لها ذلك الصندوق اللعين.. عندما فتحته بيد واهنة ألقت نظرة على القصيدة.. فوجدت الأبيات تقول:ـ

ولما توارى شعاع الأصيل
وعدنا من الغاب نبغي الرحيلا
دعت لي بسلوى وصبر جميل
إذا ما الوصال غدا مستحيلا

ارتجفت ذعرا.. هذا البيت الأخير لم يكن موجودا بالقطع قبل ذلك
وماذا يقول؟ يقول: "إذا ما الوصال غدا مستحيلا".. بالفعل صار الوصال مستحيلا؛ لم تعد هناك وصال
امتلأت تشاؤما من هذه القصيدة، وتذكرت أنها فقدت ابنتها الفاتنة يوم فتحت الصندوق.  هذا الصندوق ملعون بلا شك.. هذا الصندوق مسحور

وهكذا قضت أيامها الأخيرة في محاولة الخلاص من هذا الصندوق.. جربت طرق التدمير كلها، وفي النهاية أدركت أن الصندوق والقصيدة أقوى من الجميع.. وعرفت أن عليها أن تدفن هذا الصندوق معها.. فقط في كفنها وتحت الأرض لن يجده أحد
هكذا أوصت.. ولم تدر أن هذه الوصية بالذات هي ما سيدفع وغدين من الأسرة، هما هشام وصلاح إلى نبش قبرها.. لقد كان الإغراء أقوى منهما

******

بعد ساعتين عاد التيار الكهربي فأطفأ هاني الشموع التي أشعلها في الصالة.. لم يشعر أحد من النائمين بالانقطاع، أما هو فقد كاد يفرغ أحشاءه ذعرا. تذكر أسطورة لعنة الفراعنة وكيف انقطع التيار الكهربي عن القاهرة لحظة فتح تابوت توت عنخ آمون

قرر أن يعود ليلقي نظرة على القصيدة التي كتبها منذ قليل
هنا وجد الأبيات التالية في نهاية القصيدة:ـ

تراك ستصمد حتى الصباح؟
 تراك ستصبر صبرا جميلا؟

هنا شعر بشعر رأسه ينتصب.. هذا بيت لم يكتبه.. هذا بيت كتب نفسه في الظلام.. القصيدة مصرّة على أن تستطيل.. لم تقنع بالبيتين الأخيرين

وفي هذه اللحظة شعر بتلك الرغبة المجنونة.. هرع إلى المطبخ وانتقى أكبر سكين هناك.. عاد لغرفة النوم.. وقف يراقب في نهم أخاه النائم.. يرمق شريان عنقه النابض.. الدم الدافئ ينتظر بالداخل.. دم أحمر قانٍ
ثم فطن لنفسه فتراجع مذعورا

هرع هاني إلى المطبخ وانتقى أكبر سكين هناك ـ (رسوم: فواز) ـ

هناك الأبوان النائمان في غرفة النوم.. لن يشعرا بالرحيل.. سوف يكون موتا رحيما
وماذا عن الكيروسين؟ هناك موقد بريموس به كيروسين.. لو سكب منه في أرجاء الشقة وأشعل عود ثقاب فلسوف ينتهي كل شيء

ثم فطن لنفسه من جديد.. قرأ المعوذتين.. إنه واقع تحت تأثير نفسي كاسح
يمكن أن ينهي هذا بأن يثب من النافذة.. أن يقتل نفسه.. سيكون هذا أفضل الحلول الممكنة من دون أن يؤذي أحدا سواه
ثم عاد يتيقظ من جديد.. هذا هراء.. إنه يهذي

الشيء في الصندوق وضعه في مأزق يفضّل معه الانتحار على أن يذبح أحبابه.. لكن لماذا يختار بين الاثنين؟
تراك ستصمد حتى الصباح؟
تراك ستصبر صبرا جميلا؟
لا.. لن يستطيع الصمود.. لو مرت ساعة أخرى سيكون قد ذبح كل أحبائه.. أو قتل نفسه

جلب زجاجة الحبر الشيني ووقف عند حوض المطبخ وسكب كل قطرة فيها على القصيدة، حتى تشوهت تماما وصارت عسيرة القراءة.. وضعها في العلبة، ثم غادر البيت
بالتأكيد سمعوا صوت الباب وهو ينغلق.. بالتأكيد أصابهم الذعر وتساءلوا أين هو.. لا يهم

راح يركض في الشارع الخالي
راح يركض عبر تلك الأرض الخالية المظلمة.. أرض لم يتم بناؤها بعد، وإن كانت بعض الأساسات قد وضعت فيها
وجد عمودا من خرسانة فركع جواره في الظلام، وراح ينبش وينبش

فريشت.. فريشت.. فريشت
الصوت يحطم الأعصاب. يمكنك أن تجن بلا مبالغة. هناك تلك النغمة المكتومة، وهناك ذلك الإحساس القوي بالتربة الرطبة
وضع الصندوق الصغير في الحفرة..ثم راح يهيل فوقه التراب

عندها رأى ذلك الشخص قادما من بعيد.. الظلام دامس لكنه يراه في ضوء النجوم.. توقف قلبه للحظة من الذعر، ثم نهض وانطلق يجري بلا توقف

أنت تعرف أنه سيجن ويقتل نفسه في الأيام القادمة.. لن يفهم أحد سبب هذا الضغط العصبي الشنيع الذي  آذاه كثيرا.. لكن هذا ليس موضوعنا طبعا

******

أنا وجدت القصيدة
يمكنني الآن أن أقدم لك هذا الاعتراف الصغير. كنت عائدا من دار صديق لي في هذه الساعة المتأخرة، وشعرت بنداء غريب يدفعني إلى عبور هذه الأرض الوعرة الخالية من المباني.. كنت أشعر بذعر لكني تمالكت نفسي
رأيت هاني يدفن شيئا ويفر كالمذعور.. مشيت إلى حيث دفن ما بيده.. وأخرجت ذلك الصندوق الصغير

وعندما فتحت الصندوق شعرت بأنني أعرف القصة كلها.. أعرف الفتى عمادا وهالة وهاني والوغدين صلاح وهشام
القصيدة قد تلوثت بالحبر الشيني كلها لكني أعرف كل حرف فيها
سوف تكتمل القصيدة.. ربما تبلغ ألف بيت

ويوما ما سوف يكملها أحد رجال التبو في منطقة تسيلي -ممن يجيدون العربية- ويضيع في الصحراء وسط العواصف الرملية.. وسوف يموت، لكن القصيدة سوف تصل كاملة إلى "أوبار"ـ

الآن أنا أملك الصندوق والشيء في الصندوق.. القصيدة..  وأملك أن أنقلها لك.. وأعرف أنها ستكتمل. لهذا كتبت هذه القصة، وبالتالي صارت القصيدة لدى كل من قرأ القصة

تسعة أبيات في هذه القصة، أحدنا سوف يكتشف غدا أنها عشرة أبيات.. والقصة تزداد طولا وتنتقل من يد إلى يد
ـ"أوبار".. قد قمت بواجبي.. فهل أنت مسرور؟

تمت

Thursday, April 18, 2013

الشيء في الصندوق - 4


أين عماد؟
كانت الساعة الآن الحادية عشرة ليلا، وقد أوشك الأب على غلق أقفال البيت.. ثم تنبه الجميع إلى أن الصبي عماد ليس هنا، وهذا شيء معتاد.. لكنه لا يطيل التأخر إلى هذا الحد لأنه عوقب كثيرا من قبل على تأخره خارج البيت.. الحقيقة أنه شبيه بقط حبيس لا يقر في البيت أبدا

عماد.. عماد.. أين أنت أيها الوغد؟
هكذا بدأت عملية البحث. وتم سؤال الجيران، ثم ارتدى الأب ثيابه من جديد وخرج يبحث عن الصبي وهو يطلق السباب.. من الخير للفتى أن يكون قد مات فعلا.. هذا هو المبرر الوحيد الذي يسمح بالغفران له.. فيما عدا هذا ليس من مصلحته أن يظل حيا.. سوف يموت فورا

جو التوتر العام ساد البيت، وبدأت الأم تقرأ القرآن وتهرع من حين لآخر إلى الشرفة

هالة شعرت بتأنيب ضمير.. ربما هو خائف جدا من موضوع السيجارة.. ربما خائف لدرجة أنه فر من البيت.. هي كانت قد أزمعت أن تكتفي بإرهابه.. لكن من أين له أن يعرف باقي نيتها؟

يجب أن نقول كذلك إن الجو كان ملوثا بالموت.. حادثة الموت التي وقعت صباحا جعلت الجميع متوترين
هكذا دخلت غرفتها وحاولت أن تفكر في شيء آخر، لكن صورة عماد كانت تبلبل ذهنها
مدت يدها للصندوق لتعيد تفحّص تلك اللفافة اللعينة.. وبشفتين تتحركان قرأت الأبيات:ـ

مدت هالة يدها للصندوق لتعيد تفحّص تلك اللفافة اللعينة ـ (رسوم: فواز) ـ

ولما توارى شعاع الأصيل
وعدنا من الغاب نبغي الرحيلا
لقد حان حينك يا ابن الدياجي
ألا تسمع الموت يأتي عجولا؟
خرجتَ لتلهو قرب الردى
فجاء الردى غاضبا مستحيلا

هنا توقفت وراجعت آخر أبيات
هناك جزء لم تقرأه من قبل.. هي متأكدة أن آخر بيت في القصيدة اللعينة كان البيت "لقد حان حينك يا ابن الدياجي.. ألا تسمع الموت يأتي عجولا؟"، فماذا حدث بالضبط ومتى؟ هناك بيت قد أضيف.. لا شك في هذا.. نفس الخط ونفس الحبر

كانت هالة قوية الشخصية تثق في حواسها جيدا.. أي شخص سواها كان سيعتقد أن البيت الأخير قد فاته، لكنها كانت متيقنة.. القصيدة اللعينة قد استطالت بيتا

البيت يتكلم عن شخص أراد اللهو قرب الردى فمات.. كان الردى أكثر براعة

 *******

في الصباح وجدوا البقايا وعرفوا القصة كاملة
الصبية الذين كانوا مع عماد رأوا المشهد ففروا لبيوتهم وأصابهم ذعر حيواني يمكن فهمه، وقرروا أن يلوذوا بالصمت.. لكنهم تكلموا في النهاية

عماد نام على قضيب القطار -بين القضيبين إذا شئت الدقة- ودفن رأسه بين ذراعيه بينما قطار الثامنة قادم، وكان ينوي أن يبهر الصبية بشجاعته.. هؤلاء المراهقون يمكن أن يفعلوا أي شيء كي يبهروا أترابهم. ما حدث هو أن شيئا يتدلى من القطار تمسك به.. تعلق بسرواله.. وهكذا فوجئ الصبية بأن زعيمهم قد اختفى. لم تمر العجلات من حوله في سلام، ويبدو أن جسده تفتت في ثانية واحدة

كانت ميتة شنيعة، وسوف أعفيك من وصف ما فعلته الأسرة والأم رحمة بأعصابك.. لقد حلت حقبة من اللون الأسود والكآبة على هذا البيت الذي كان آمنا

ظلت هالة تشعر بعدم راحة نحو ذلك الصندوق اللعين، وتلك الأبيات الغريبة التي قرأتها والتي ازدادت بيتا بلا تفسير واضح

ذات ليلة جلست في فراشها ومدت يدها تفتح ذلك الصندوق من جديد.. تحسست أبيات القصيدة وقرأتها مرة واثنتين.. وقررت أن تعرض هذه الأبيات على مدرس اللغة العربية الشاب جارهم، لعل الكلمات تخفي أكثر مما تفهمه هي. ثم غلبها النعاس والعلبة في يدها

هي الآن نائمة على ظهرها. صدرها يعلو ويهبط كأنها تعاني عسرا في التنفس. العرق.. العرق يجعل شعرها عجينة واحدة لزجة.. كهف مظلم.. مشاعل.. هناك من ينتظر في الكهف.. عينان شريرتان.. رائحة عطن غريبة.. هذه رحلة لم يقم بها بشري إلى عالم لم يره أحد. أعماق الظلمات.. المادة الخام للشر.. تشعر بهذا كله.. وتدرك أنها مذعورة، لكنها كذلك عاجزة عن النهوض.. عاجزة عن الفرار

كان هناك من ينتظر في الكهف وله عينان شريرتان ـ (رسوم: فواز) ـ

وسمعت صوتا يأمرها:ـ
ـ تخلصي من القصيدة! تخلصي من القصيدة إن شئتِ السلامة
كانت تسمع الصوت بوضوح، تعرف أن هذا "أوبار". لا شك في هذا برغم أنها لا تعرف من هو "أوبار" ولم تسمع عنه من قبل. كانت ترتجف خوفا.. عرفت أنها اختُرقت وأنها ترى ما لا يحق لها أن تراه

*******

كان البيت كله غافيا عندما اتجهت هالة إلى المطبخ.. صوت أذان الفجر يتردد من مسجد قريب. وضعت الصندوق على الموقد، ثم أشعلت عود ثقاب؛ سوف يحترق هذا الشيء القذر.. سواء كان خطرا حقيقيا أو وهما.. إنها تشعر بأنه ملوث بالدم.. لماذا ظهر بعد الحادث الأخير؟ ولماذا التقطه المرحوم عماد بالذات؟

بدأت النار تتمسك بالصندوق وتنهدت هي الصعداء. لكنها بعد لحظة بدأت ترتجف.. إن النار تلتف حوله لكنها لا تؤذيه. هذا الشيء أقوى من النار

جرّبت أن تحرقه عدة مرات وبللته بالكيروسين وجربت من جديد.. لا جدوى.. هذا الصندوق اللعين أقوى من أن يزول بسهولة

فكرت في أن تلقيه في القمامة، لكن الإجابة كانت قد وصلتها وشعرت بها في أعماقها بلا جدال. هذا ما يريده ذلك المسخ الذي رأته في الحلم بالضبط.. هناك أحمق سيجد الصندوق في القمامة ويفتحه، وسوف ينتقل الصندوق ليد أخرى ويموت شخص آخر.. وسوف تزداد القصيدة طولا

لو احتفظت بالصندوق فهي تجازف بميت آخر، أو جريمة قتل أخرى
ربما يقتل أبوها أمها، أو العكس، أو تفعل هي هذا كله
حاملة هذه الهواجس عادت إلى غرفة نومها التي تسلل لها ضياء الفجر الخافت الواهن.. جلست على الفراش كأنها بوذا يتأمل.. وقررت أن تنتظر حتى يصحو الجميع

*******

من المهم أن نجد من يحبنا.. لسبب واحد هو أننا نحتاج أحيانا إلى من يصدقنا.. وكان هاني يحبها فعلا.. مدرس اللغة العربية الشاب الذي يقطن قرب بابها يهيم بها حبا.. لقد تبادلا الحديث الصريح كثيرا وكانت تعرف أنه ينتظر.. يستجمع شجاعته قبل أن يكلم أباها

جلسا في ذلك المقهى الذي اعتادا الجلوس فيه، فرشفت بعض الشاي من الكوب.. ثم استجمعت شجاعتها وحكت له تلك القصة الطويلة
بالطبع لم يبدُ مصدقا، لكنه يحبها وعلى استعداد لسماع الكثير من هرائها.. ربما اعتبر هذا ترفا

لما انتهت من قصتها دفنت وجهها في الكوب حتى لا يسخر منها
قال لها:ـ
ـ وأين هذا الصندوق؟
نظرت حولها ثم وضعته على الشرشف أمامه. مد يده ليفتحه لكنها أوقفت يده في صرامة:ـ
ـ لا أعرف.. ربما تصيب اللعنة من يفتح الصندوق أو يقرأ القصيدة

ـ أنا سآخذ الصندوق الآن
قالت في جزع وقد اتسعت عيناها:ـ
ـ أنت لا تفهم. هذا هو ما يريده بالضبط.. يريد أن يجد مسارا جديدا للحياة
ـ لنقل إنني لن أمنحه هذه الفرصة

ثم مد يده يعبث وأخرج القصيدة.. قرأها مرة ومرتين ثم قال باسما:ـ
ـ ليس شعرا جيدا جدا.. لو كان هذا الشعر يكتب نفسه فهي طريقة غير ناجحة لكتابة الشعر.. ثم أن بعض الأبيات مكسورة

ثم التمعت عيناه وقال في حماسة:ـ
ـ أنا أكتب الشعر كما تعرفين.. سأكمل هذه القصيدة بنفسي

.......

يُتبع

Thursday, April 11, 2013

الشيء في الصندوق - 3


هناك في تلك الكهوف المظلمة في صحراء تسيلي، يمكنك أن ترى أن الليل قد دنا، ومعه بدأت الشمس الحارقة تبدي شيئا من الرحمة
الذئاب تعوي فيرتجف رجال "التبو" الجالسون حول النيران ليلا، ويتبادلون النظرات من وراء ألثمتهم.. بينما تطلق الجمال والإبل رغاءها وحنينها بالترتيب

هناك في تلك الكهوف المظلمة وخلف منطقة الرمال المتحركة، حيث لا يجسر أحد على الدنو، يمكنك أن ترى ذلك الكهف الذي احتشدت الصخور على مدخله.. هل هي صخور حقا؟ بل هي جماجم بيضاء نظّفتها العواصف والرمال الناعمة

هناك عاصفة دانية بلا شك في الغد

داخل الكهف يمكنك بصعوبة بالغة أن ترى ذلك المشعل الواهن، وجواره يجلس كيان فارع مفزع يخيل لك أنه هيكل عظمي، يمسك بريشة هائلة الحجم ويضع أمامه لفافة.. عينان واهنتان تراقبان الورق وسط الضوء الخافت

داخل الكهف يمكنك بصعوبة بالغة أن ترى ذلك المشعل الواهن

إنه "أوبار" الشاعر الملعون.. الشاعر الذي نشرت أشعاره الطاعون وسببت المذابح، وأدت إلى انتحار عشاق وموت أطفال وهم يصرخون

هناك في هذا الكهف ينتظر "أوبار" عدة عقود.. عدة قرون.. من أجل قصيدة جديدة، قصيدة مكتملة الأبيات

 غير أن قصائده كانت ذات خاصية غريبة، هي أنها تكتب نفسها بنفسها؛ يبدأ أول بيت فقط، وأفعال البشر هي التي تكملها

كل قصيدة صنعها الطمع والجشع والمقت والحسد والكفر والشهوات
ـ"أوبار" ينتظر، منذ قرون

هناك قصائد بكل اللغات تتناثر من حوله.. قصائد باللاتينية، بالآرامية، بالسويدية، بالإنجليزية، بالمسمارية، بالأترورية، قصائد اكتملت جميعا وعادت له، وعندما يحرق اللفافة فإنها تصل إلى سيده الدائم، سيده الذي لا يجرؤ على ذكر اسمه

على اللفافة التي أمامه بدأ يقرأ الحروف التالية تكتب بالدم:ـ

ولما توارى شعاع الأصيل
فتجري الدماء ويهوى قتيلا

تحركت شفتاه فيما يشبه ابتسامة قاسية؛ سوف ينتظر

*******

الصندوق الصغير ظل على الأرض فترة طويلة

يمكن أن ألخّص الموقف لك بأن رجال الإسعاف ألقوا بالجثة على المحفة في إهمال، ومن الواضح أنها كانت تقبض على الصندوق الصغير الذي لم يلحظه أحد، قبل دخول السيارة سقط الصندوق على الأرض وركلته الأقدام جوار جدار

وضعوا في السيارة جثة هشام أولا ثم جثة صلاح

صلاح قد هشّمت زجاجة رأسه من الخلف، أما عن هشام فقد فتح النافذة ووثب إلى الشارع ليتهشم جسده على الإفريز، برغم هذا يبدو أنه ظل ممسكا بالصندوق فلم يتخلَ عنه إلا لحظة دخول السيارة كما قلنا

انطلقت السيارة وعواؤها الكئيب يمزق الأعصاب قبل أن يمزق الصمت. ولحق بها عدد من الصبية يتصايحون مرحا

يمكنك أن ترى الصبي عماد والصبي مصطفى.. إنهما يسكنان بالمنطقة، وهما شيطانان صغيران، لهما بالضبط نفس ملامح ونفسية قراصنة الكاريبي. عندما أسرعت الإسعاف مبتعدة أدركا أن اللحاق بها مستحيل، برغم أنهما كانا يشتهيان رؤية الميت، تعثّر عماد على الأرض فسقط جوار الصندوق الصغير، التقطه ودسّه في جيبه ليفهم فيما بعد

هناك يقف الصبية في ركن الشارع يتبادلون التحدي والسباب. عماد يدخن لفافة تبغ إذ تأكد من أن أحدا من الكبار لا يراه، وهذا يعطيه سطوة لا شك فيها على باقي الصبية الذين لا يجسرون على تخيّل مغامرة كهذه

يقول لهم عماد:ـ
ـ وعهد الله.. وعهد الله
لسبب ما لا بد أن يقسم هؤلاء الصبية بعهد الله.. لا يستعملون طريقة قسَم أخرى
ـ وعهد الله أنا فعلت هذا
قال مصطفى في تحدٍ:ـ
ـ أنت كذاب
ـ وأنت ابن "..."ـ

وانقض الصبيان بعضهما على بعض يتبادلان الركلات واللكمات.. حاول عماد أن يفعل هذا كله ولفافة التبغ في فمه، لكن الأمر كان صعبا.. وقبل أن يفهم ما يحدث وجد أذنه في يد قاسية ترفعه عن الأرض.. وعندما نظر بحذر رأى أن هذه هالة أخته.. أخته في العشرين من عمرها، وليس لديها عمل في الحياة سوى أن تجعل أيامه قاسية
ـ سجائر وشجار! انتظر حتى أخبر أباك بذلك

تراجع الصبية في ذعر، بينما الأخت الغاضبة كآلهة الأوليمب تجر الصبي من أذنه نحو ساحة الإعدام، وهي لا تكف عن الشتائم وتوجيه الصفعات له.. كان يعرف أن أمره انتهى.. التدخين جريمة لا تغتفر في بيته

برغم هذا كان يكره أن يراه الصبية في وضع مخزٍ، لذا صاح آمرا بينما هو يبتعد:ـ

ـ الليلة سوف أريكم إن كنت كاذبا

في البيت لم يكن الأب القاسي الغضوب موجودا، فتوعدته هالة بأن عقابه قريب فعلا. لاحظت الصندوق الصغير الذي في يده فسألته عن كنهه.. قال إنه وجده في الشارع ولا يعرف ما به

مدت يدها في حذر وفتحت الصندوق.. ذات مرة ألقى أحدهم عملا سحريا على بابهم، وكان بداخله قطعة قطن التفت على أشياء عضوية مرعبة، مع لفافة ورقية كهذه.. شعرت بقشعريرة وخطر لها أن تتخلص من الصندوق، ثم مدت يدها تفتح اللفافة وقد غلبها الفضول

ولما توارى شعاع الأصيل
وعدنا من الغاب نبغى الرحيلا
وقابيل يلقى أخاه الحبيب
فتجري الدماء ويهوى قتيلا
لقد حان حينك يا ابن الدياجي
ألا تسمع الموت يأتي عجولا؟

مطت شفتها في عدم فهم؛ كانت تتوقع على كل حال أن تقرأ تعاويذ وكلمات سريانية غامضة، أو ترى رسوما غير مفهومة. لكن هذا شعر.. مجرد شعر سخيف، ليس فيه حب ولا غرام ولا سهاد.. هناك كلمة "عجولا" في نهاية القصيدة تبدو نابية للأذن، بالتأكيد ليست عجول الجزار، ولكنها تدل على التعجل

توعدت أخاها المدخن بالويل، ثم اتجهت إلى الهاتف لتثرثر مع صاحبتها

لاحظ عماد بعد ساعتين أن جريمته لم تذكر؛ لم تقل هي شيئا ولم يعرف أبوه القاسي بشيء، إنه في غرفته يلهو ويتظاهر بالاستذكار كالعادة، لكن لا شيء غير هذا

الصبية ينتظرونه كما وعدهم. إن هالة اللعينة غافية الآن بعد ما شبعت نميمة وتهريجا على الهاتف؛ لن يلاحظ أحد أنه خرج

بعد لحظات اتخذ قراره، اتجه إلى باب الشقة بحذر وفتحه وفرّ إلى الخارج. هناك في الشارع عنصره الطبيعي، هناك يصير حرا، يصير ملكا، يصير قائد الشلة الذي يبهر الأنفاس

هناك كان الصبية يقفون في تحدٍ بانتظاره، وكان أكثرهم تحديا هو مصطفى.. قال له في سخرية:ـ
ـهل علّقك أبوك من السقف؟
لم يرد.. سرعان ما اجتاز الفرجة بين الجدارين وراح يركض عبر الخرابة. كان الليل قد بدأ يزحف فلم يعد هناك سوى لون أزرق بكل درجاته، وهناك كانت المساحة الواسعة ممتدة حيث قضبان القطارات تتلوى وتتعاقد في الأفق

قطار الثامنة سوف يمر بعد قليل

بلع الصبية ريقهم وهم يرتجفون من هول المشهد القادم، هو نفسه كان خائفا لكنه كان بحاجة إلى أن يعرفوا من هو؛ بعد هذا لن يفتح أي أحمق فيهم فمه

جرى بحذر إلى أن بلغ المسافة بين القضيبين، ورقد على وجهه وغطى رأسه بكفيه

فلتمر اللحظات التالية بسرعة

.......

يتبع

Thursday, March 28, 2013

الشيء في الصندوق - 2


عندما يخرج الجنون من القمقم، فلا شيء يقدر على إعادته
لأسباب ما يخرج هذا الغاز من الأنبوب، ثم يتسرب في كل مكان. لا أحد يقدر على جمع الغاز أو حبسه
هكذا كان اللحاد جالسا في تلك الغرفة الصغيرة عند مدخل المقبرة

كان جالسا أمام بابور الجاز -موقد البريموس حتى لا يتضايق اللغويون- وقد وضع فوقه إناء صغيرا به ماء ولحم وبصلة.. وكان يرمق النار متلمظًا.. الليلة سيكون العشاء دسما. صحيح أنها لقمة جاءت من نبش القبور.. أي أن ما يطبخه هو مجازيا لحم موتى، لكنه كان قد تجاوز مرحلة هذه الاعتبارات الأخلاقية
سمع طرقات على الباب الخشبي المتداعي. فنهض ليفتح

في اللحظة التالية كان الأخوان في الغرفة، وقد استطاع أن يرى الشيطان في عينيهما.. الشيطان.. هذا مشهد رآه من قبل ويعرفه
ـ خيرا؟ لماذا عدتما؟
قال هشام لاهثًا:ـ
ـ الصندوق خاو.. لا يوجد شيء
ـ هذا شأنكما.. ليست مشكلتي
هنا قال صلاح وهو يمسك بالرجل من فتحة الجلباب ويجذبه:ـ
ـ نحن نعتقد أن شيئا كان في الصندوق وقد تمت سرقته

أمسك صلاح الرجل من فتحة الجلباب وجذبه ـ (رسوم: فواز) ـ

صاح الرجل أنه لم يفعل.. عندما تكون ضيق العينين خبيث النظرات نحيلا كفأر، فإن إنكار التهمة هو بالضبط الأسلوب المناسب لجعلك تبدو كاذبا
راح الرجل يقسم.. أنتما حصلتما على الصندوق.. أنا نلت الحلوان.. انتهى الأمر.. ماذا تريدان بعد هذا؟
ـ نريد الشيء الذي في الصندوق
ـ لم يكن هناك شيء في الصندوق

كان الغضب قد بلغ الذروة.. وكل محاولة إنكار تؤكد لهما أنه سرق شيئا.. هكذا ازداد الضغط على ذراعه.. يمكنك سماع العظم الهش وهو يوشك على التحطم
ـ تكلم

السباب ينهال على رأس الرجل، والصفعات.. شابان قويان غاضبان مع رجل هش وحيد. في النهاية سقط على الحصيرة الموضوعة على الأرضية فراحا يوجهان الركلات لرأسه.. لم يعد هناك تعقل.. ركلة... ركلة.. ركلة... سوف يمر وقت طويل قبل أن يدركا أنهما أحمقان وأن فرصة استجوابه انتهت

توقفا ونظرا إلى المشهد
ـ لقد مات يا صلاح
كان المشهد مؤكدا ولا يحتاج إلى تخطيط مخ وتخطيط قلب للرجل الراقد على الأرض. وفي لهفة راح الشابان يفتشان في الغرفة. عن ماذا؟ لا يعرفان.. عن الشيء الذي جعلهما يقتلان لأول مرة.  الآن برز احتمال معقول هو أن الرجل صادق.. لقد تسرعا جدا

لم يتفقا على الخطوة التالية، لكنهما وجداها بديهية.. كل شيء في هذه الغرفة يحمل بصماتهما.. لذا أطفأ هشام البابور -موقد البريموس حتى لا يتضايق اللغويون- وفتح الصمام ثم راح ينثر السائل قوي الرائحة في كل مكان. للأسف لن يأكل أحد هذا اللحم الذي نضج.. لكن دعنا نتذكر أنه معنويا أقرب للحم الموتى. على باب الغرفة ألقى هشام بالثقاب المشتعل، وفرا بعيدا قبل أن يتعالى اللهب
سوف يحترق كل شيء

على الأرجح لن يتعب الطبيب الشرعي نفسه في البحث، ولن يجد آثار التهشيم في عظام الجمجمة.. لسنا في قصة لأجاثا كريستي هنا
فلنفر

*******

كانا يرتجفان.. وشعر هشام بأن القتلة أشخاص فوق الواقع. كيف تمارس حياتك بشكل طبيعي بعد الفتك بإنسان؟
هناك في الشقة دخل كل منهما الحمام ليغتسل، ممارسا مشاعر ماكبث بعد قتل دونكان (لو اجتمعت بحار العالم جميعا على محو هذا الدم ما استطاعت)ـ

في النهاية جلس هشام يدخن وينظر إلى الصندوق المربع الصغير. مشئوم.. نحس.. مد يده وعالج المسمار المحوي.. استطاع أن يفتحه ويخرج الوريقة الغامضة التي حيرته من قبل، فراح يتأملها:ـ

جلس هشام يدخن وينظر إلى الصندوق ـ (رسوم: فواز) ـ

ولما توارى شعاع الأصيل
وعدنا من الغاب نبغي الرحيلا
دعت لي بسلوى وصبر جميل
إذا ما الوصال غدا مستحيلا
وتسمع في الليل همس القبور
وأنفاس من غاب عودا نحيلا

ما معنى هذه الأبيات السخيفة؟
قرأها بصوت عالٍ على مسمع صلاح، وكان الأخوان يمقتان الشعر طبعا ولا يفهمانه لهذا لم يحصلا إلا على فكرة عامة عن معنى هذه الأبيات
جلب صلاح زجاجتي خمر، وصب في كأسين كبيرين.. منذ زمن عرف الأخوان أنهما لا يتصنعان أي شيء أمام بعضهما. لهذا فعلا كل الموبقات أمام بعضهما دون خشية

بعد الكأس الرابعة قال صلاح بلسان معوج:ـ
ـ أنا قد أكون وغدا منحلا.. لكني لست قاتلا.. هذا أقوى مني
قال هشام بلسان أكثر اعوجاجا:ـ
ـ يجب أن تنسى هذه الجريمة.. تنساها وتنسى أنك نسيتها.. لم يبقَ منها سوى غرفة محترقة ورماد
ـ ربما احترقت لكنها ستظل حية في ذاكرتي.. سوف يطاردني المشهد ما حييت

ثم نهض مترنحا نحو الباب وهو يستند إلى الجدار
ـ إلى أين العزم؟
قال صلاح:ـ
ـ لا أستطيع قضاء الليل هنا.. لا أستطيع أن أراك أمامي.. سوف أبحث عن مكان آخر
ـ ليس من الحكمة أن تخرج وأنت ثمل.. من الوارد أن ينزلق لسانك

قال صلاح وهو يعالج المزلاج بيد راجفة:ـ
ـ هذا ما أنويه فعلا... سوف ينزلق لساني
ـ هل تمزح؟
ـ ربما كان في هذا خلاصي
وواصل معالجة المزلاج

الخمر لها إرادة خاصة بها.. تدهشك دوما بما تفعله وأنت لا تعرف أنها فعلته. لا يعرف هشام كيف طارت الزجاجة من يده لتضرب أخاه في مؤخرة رأسه
عندما سقط صلاح على الأرض تذكر هشام الألعاب الغليظة الخشنة التي كان يمارسها في طفولته مع أخيه.. كان يمزح.. هذه ألعاب أطفال خشنة نوعا لكنها ألعاب.. هو لم يقتله.. بالتأكيد لم يفعل.. فقط أراد منعه من التمادي

صلاح يرقد الآن خلف الباب والدم ينزف من مؤخرة رأسه والزجاج المهشم تناثر على الأرض
إنه نائم.. بالتأكيد هو نائم.. لا توقظوه
ضحك هشام كثيرا وهو يراقب أخاه النائم.. لعب أطفال ظريف
عاد للمقعد وأشعل لفافة تبغ أخرى.. الدخان يرسم اسم هشام واسم صلاح في فراغ الغرفة

صندوق لعين قذر.. لقد جعل الأخوين يتشاجران.. صب لنفسه كأسا أخرى
مد يده إلى الصندوق وراح يعبث بأنامله.. لقد عبثت بهما العمة اللعينة.. لم تترك شيئا لكنها تركت لهما دعابة قاسية فعلا
أخرج الوريقة المقيتة التي كتبت فيها الأبيات

ولما توارى شعاع الأصيل
وعدنا من الغاب نبغي الرحيلا
دعت لي بسلوى وصبر جميل
إذا ما الوصال غدا مستحيلا
وتسمع في الليل همس القبور
وأنفاس من غاب عودا نحيلا
وقابيل يلقى أخاه الحبيب
فتجري الدماء ويهوى قتيلا

حك رأسه مرتين.. أغمض عينيه وراح يحاول أن يجعل بصره أقوى.. وربما بصيرته
هذه الأبيات اللعينة.. كانا بيتين فقط.. هو متأكد من هذا.. لا شك في هذا
هذه القصيدة تستطيل! إنها تزداد بيتا كلما هلك إنسان آخر

.......

يُتبع